محمد بخيت أحمد وآخرون /ضد/ حكومة جمهورية السودان
المحكمة العليا
الدائرة الدستورية
القضاة :
صاحب السعادة السيد / محمد ميرغني مبروك رئيس القضاء رئيساً
سعادة السيد / هنري رياض سكلا قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد / فاروق أحمد إبراهيم قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد / محمد محمد الحسن شقاق قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد / حنفي إبراهيم أحمد قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد / محمد عبد الرحيم علي قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد / زكي عبد الرحمن قاضي المحكمة العليا عضواً
محمد بخيت أحمد وآخرون ضد حكومة جمهورية السودان
م ع/ع د/15/1406هـ
المبادئ:
دستور السودان الانتقالي لسنة 1985م – المادة 271/2 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1983م ( تعديل 1405هـ ) – عدم مخالفتها للمادتين 28 و 33
المادة 271/2 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1983 ( تعديل 1405هـ) لا تخالف المادة 28 من دستور السودان الانتقالي لسنة 1985م التي تفترض براءة المتهم حتى تثبت إدانته ولا المادة 33 من الدستور التي تعدد الحالات التي يجوز فيها تقييد حقوق وحريات المواطنين لأنها – بغض النظر عن صفة الشاكي سواء كان جهة حكومية أو فرداً عادياً – تهدف إلى الحفاظ على حقوق الشاكي في حالة صدور الحكم بالإدانة
الحكــم
8/3/1986م
تقدم الأستاذ الطيب محمد الطيب وأحمد البشير محمد الهادي المحاميان بعريضة دعوى دستورية نيابة عن موكليهما محمد بخيت أحمد وآخرين يطلبان فيها إعلان عدم دستورية المادة 271(2) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1983م ( تعديل 1405هـ ) وذلك لمخالفتها لنص المادتين 28 و 33 من الدستور المؤقت لسنة 1985م وتنص المادة المشار إليها أعلاه على عدم جواز إطلاق سراح المتهم بالضمان إذا كانت الجريمة متعلقة بالمال العام أو الخاص أو بدية أو بحق لأي شخص مضرور إلا إذا قام المتهم :
(أ) بإبراز وثيقة التأمين أو الضمان أو
(ب) برهن عقار لصالح المجني عليه أو
(ج) بإبراز خطاب معتمد من مصرف مثبتاً فيه وجود ودائع له لدى المصرف والتزام الأخير بحجزها وعدم التصرف فيها إلا بإذن المحكمة أو
(د) بإبراز خطاب معتمد من الجهة التي يعمل بها يتعهد فيه بدفع المبلغ الذي قد يحكم به ضده
وفي بيان وجه المخالفة الدستورية يقولان بأن المادة 28 من الدستور المؤقت لسنة 1985م تقرر حق المتهم في البراءة حتى مرحلة إثبات الإدانة ولو كانت هناك قضية مبدئية ضده كما وأن المادة 33 من الدستور لا تجيز تقييد الحقوق الأساسية ومن بينها حق افتراض البراءة – أو الحريات المكفولة بموجبه إلا بتشريع صادر من السلطة التشريعية بهدف حماية الأمن العام أو الآداب العامة أو الصحة أو سلامة الاقتصاد الوطني ويضيفان بأن المادة 271(2) من قانون الإجراءات الجنائية لا تدخل في دائرة الاستثناءات الواردة في المادة 33 من الدستور لكونها مجرد احتياط لمرحلة العقوبة بالنسبة لتهمة لم تثبت بعد أمام المحكمة وينتهيان إلى القول بأن تطبيق المادة 271(2) المشار إليها لا يتفق وافتراض براءة موكليهما بل إن ما ورد في الفقرة (ب) منها هو ما يتعلق برهن العقار لصاح المجني عليه وإنما يرقى إلى مرتبة تنفيذ العقوبة قبل صدور قرار الإدانة بالإضافة إلى طلبهما بإعلان بطلان المادة أعلاه طالباً باسترداد تعويض قدره مائة ألف جنيه بالنسبة لكل من موكليهما
واضح أن عريضة الدعوى تشتمل على جانبين أولهما يتعلق بمسألة عدم الدستورية والثاني يتعلق بمسألة حماية حق موكليهما الدستوري في افتراض براءتهم ومطالبتهم بالتعويض
السؤال الذي يطرح نفسه علينا الآن هو عما إذا كانت المادة 281(2) تعتبر غير دستورية حتى ولو كان الشاكي في هذه الحالة جهة حكومية أي أن الدعوى الجنائية تتعلق بمال عام؟ في رأينا أن الإجابة ستكون بالنفي لأن هذه المادة تعتبر في هذا الخصوص تشريعاً يهدف إلى حماية الاقتصاد الوطني وضمن سلامته وذلك بالرغم من أحكام المادة 28 من الدستور والتي تفترض براءة المتهم إلى أن تثبت إدانته
ولما كان الأمر كذلك فإنه لا يستقيم القول بأن المادة 271(2) تصبح دستورية إذا ما كان الشاكي هو جهة رسمية والجريمة تتعلق بمال عام بينما تتعارض مع الدستور إذا كان الشاكي مجرد مواطن عادي فالدولة ورعاياها يخضعون جميعهم لحكم القانون ولذلك فإن تلك المادة إما أن تكون متمشية مع الدستور بغض النظر عن صفة الجهة التي تتمسك بتطبيقها أو أن تكون مخالفة لأحكامه من أساسها إذ لا يصح النظر إلى الدستور كأداة لإسباغ الشرعية على نص معين من جهة سالبة لتلك الشرعية من جهة أخرى لمجرد اختلاف الأشخاص أو الوقائع ولعل ذلك هو ما حدا بالمشرع لأن يضمن النص الإجرائي الجرائم المتعلقة بكل من المال العام والخاص
كذلك إذا صح القول بأن المادة 271(2) تتعارض مع أحكام الدستور فكيف يمكن التوفيق بين نصي المادتين 21 و 28 من الدستور نفسه فإذا كانت المادة 21 توفر للمواطن حريته وأمنه الشخصي وتحظر القبض عليه أو حبسه إلا وفقاً لأحكام القانون فإنه يمكن القول أيضاً بأن إجراءات القبض أو الحبس لا تتفق أيضاً وافتراض البراءة الوارد بالمادة 28 وبذلك لا يجوز للسلطات المختصة في غير الحالات المحددة في المادة 33 من الدستور أن تمس شخص المتهم في أية دعوى جنائية مهما كان حجم البينات المتوفرة ضده ليظل حراً وطليقاً إلى أن تتم محاكمته
إن إجراءات الضمان الواردة بالمادة 271(2) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1983م لا تمس الافتراض الدستوري ببراءة المتهم إلى أن تتم إدانته وإنما قصد بها الحفاظ على حقوق الشاكي مهما كانت صفته في حالة صدور الحكم بالإدانة وإلى حين صدور ذلك الحكم يظل الحق الدستوري قائماً وإلا لما كانت هناك حاجة لوضع النصوص التي تنظم إجراءات التحقيق والمحاكمة
أما القول بأن الفقرة (ب) من المادة 271(2) والمتعلقة برهن العقار ترقى إلى مرتبة تنفيذ العقوبة فهذا لا يصادف قبولاً لأن الرهن في هذه الحالة هو إجراء تبعي مؤقت ولا ينتقص من حق المتهم الأصلي في ملكية العقار على نحو يرقى إلى مرتبة الإهدار الكامل لذلك الحق إذ لا تنتقل تلك الملكية إلى الغير إلا بالتسجيل وليس بأداة أقل منه وهذه خطوة لا يتم تنفيذها إلا بأمر من المحكمة في حالة إدانة المتهم واستنفاده لكل طرق الطعن المقررة قانوناًَ
إن ما أدخله المشرع من تعديل على نص المادة 271(2) قبل سريان الدستور الحالي يعتبر من قبيل الملاءمة التشريعية وليحد من غلوائها تخفيفاً للمشقة التي كان يواجهها المتهم قبل إدخال ذلك التعديل وعلى ذلك فإنه لا يكون هناك سند للقول بأن المادة حتى بوصفها الحالي تنتقص من حق افتراض البراءة بقدر يهدر ذلك الحق
إنه يتعين لنجاح الطعن الدستوري أن تنصب الدعوى على قيام مخالفة واضحة وصريحة لنص في الدستور وهي مخالفة لا بد أن تقرع آذان المحكمة ويهتز لها وجدان القاضي أما التأخير في إجراءات المحاكمة بما يترتب عليها بقاء المتهم رهين الحبس لفترة قد يراها غير مناسبة فهذا ضرر لا يتحقق رفعه بدعوى عدم الدستورية وإنما يتم درؤه بطريق التظلم إلى القاضي المختص أو أي قاضٍ أعلى درجة منه تأكيداً للحق الدستوري بأن ينال المتهم محاكمة عادلة وعاجلة
لما تقدم ذكره فإنه من رأينا أن العريضة لا تحوي سبباً للدعوى كما وأنها لا تشتمل على إهدار ظاهر لحق دستوري ويتعين شطبها عملاً بأحكام المادتين 38(2) و 327 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م

