قضية فسخ نكاح
المحكمة العليا
القاضي / الطاهر الشريف زين العابدين قاضي المحكمة العليا
قرار النقض 23/1406هـ
الصادر في يوم الاثنين 17 جمادى الأولى 1406هـ الموافق 27/1/1986
المبادئ:
الأحوال الشخصية للمسلمين – فسخ نكاح – القرار بإلغاء الحكم – ما يتبع الإلغاء – أقوال الشهود – تعارض أقوال الشاهد الواحد التي أدلى بها في مرحلتين مختلفتين – وجوب استفسار الشاهد
1- من القصور في الأداء أن تقرر محكمة الاستئناف إلغاء الحكم المستأنف إليها دون بيان ما ينبغي فعله بعد الإلغاء
2- إذا أدلى الشاهد بأقوال في مرحلة ثم أدلى بأخرى في مرحلة ثانية فمن واجب المحكمة استفسار الشاهد عن سبب التعارض إذ لربما أفلح في إزالة التعارض وإلا استبعدت شهادته لاضطرابها
الوقـــائع
1- أصدرت محكمة نيالا الجزئية حكمها الحضوري في القضية نمرة 1861/ق/1982 بتاريخ 26/12/1982 المرفوعة من المدعية /ضد/ المدعى عليه بطلب فسخ زواج – وقد تضمن الحكم الآتي :-
( حكمت حضورياً برفض الدعوى وفهموا )
وأصل النزاع ينحصر في أن المدعية قد رفعت القضية المشار إليها /ضد/كل من والدها والمدعى عليه – مدعية أنها قد زوجت بالمدعى عليه الثاني من غير مشورتها ورضاها به زوجاً وأن والدها قد أناب آخر لعقد هذا الزواج وطلبت الحكم لها عليه بفسخ عقد الزواج لوقوعه باطلاً – صادقها بلسان محاميه على ا لزواج وأنكر دعواها عدم الرضى به زوجاً وادعى مشورتها ورضاها به زوجاً وأصرت على ذلك – وقد أقام البينة على مشورتها ورضاها به زوجاً غير أنها رجعت وادعت أن الرضى الذي تم إنما كان نتيجة تهديد ووعيد أثر عليها وأنكره وقد استشهدت بعدد من الناس لم يشهدوا لها بما ادعته ورغبت عن يمينه فكان الحكم المذكور
2- بتاريخ لاحق تقدمت المستأنفة بطلب لمحكمة الاستئناف ضد قرار محكمة الموضوع وقد استمعت المحكمة مرة أخرى لأقوال الطرفين وقد ا دعت أن المستأنف ضده قد اختطفها قسراً وأنهال عليها ضرباً مبرحاً وحملها خارج نيالا ودخل بها عنوة ومكثت معه خمسة عشر يوماً حتى حضر أهلها ومعهم قوات الشرطة وخلصوها منه وفتح ضده بلاغ بذلك وأنها مصرة على أنها لم تكن مختارة في زواجها به وإنما أكرهتها والدتها بعد أن هددتها بالسكين وطلبت إلغاء الحكم ا لابتدائي وقد أنكر التهديد مع اعترافه أنه أخذها خارج المدينة بمحض اختيارها وأنها كانت تتردد عليه في داره قبل دخوله بها وبعد العقد وطلب رفض الاستئناف وتأييد الحكم الابتدائي وقد أعادت المحكمة استجواب الشهود الذين سبق وأدلوا أمام محكمة الموضوع بشهادتهم وقد اتضح أن بعضهم قد أدلى بشهادة هنا غير شهادته هناك وقد استمعت المحكمة إلى شريط مسجل اتضح فيه حسب إفادة المحكمة أنه يدل على عدم الرضى وأخيراً قررت محكمة الاستئناف إلغاء قرار المحكمة الابتدائية وأمرتها بالعودة
3- بتاريخ لاحق تقدم الطاعن بعريضة لمحكمة العليا ضد قرارا محكمة الاستئناف وملخص ما جاء بعريضته :
أ - أن المطعون ضدها قد فشلت أمام محكمة أول درجة في إثبات دعواها فسخ الزواج بما ساقته من حجج
ب- أن محكمة الاستئناف قد استمعت إلى الشاهد وهو نفس الشاهد الذي شهد في محضر الدعوى الابتدائية على موافقة المطعون ضدها ورضاها بالزواج ونه تولى العقد نيابة عن والدها وأن شهادته هنا بأنها كانت مكرهة وغير راضية تناقض شهادته تلك فكيف جاز لمحكمة الاستئناف قبول بينة لهذا الشاهد وفي الحالتين دلى بشهادته على اليمين فهو والحلة هذه كاذب ولا تقبل شهادته
ج - استمعت المحكمة لشهادة آخر وقد سبق له أن شهد أمام محكمة أول درجة نه سمع من زوجته أن والدة المطعون ضدها هددتها بالسكين لتقبل الزواج بالطاعن – إلا أنه الآن أمام محكمة الاستئناف أفاد أن والدة المطعون ضدها قد هددتها لتقبل الزواج منها وأنها جاءته باكية وأخبرته نه لا رغبة لها في الزواج به – وهذا الشاهد أيضاً أدلى – بشهادتين متناقضتين على اليمين فلا بد أن يكون كاذباً في إحداهما فكيف جاز لمحكمة الاستئناف قبول مثل هذه الشهادة المتناقضة وما يقال عن هاتين الشهادتين يقال عن شهادة المرأتين فهي متناقضة بين ما أدلتا به أمام محكمة الموضوع ومحكمة الاستئناف
د - أن البينة قد شهدت في محضر الدعوى الابتدائية بتردد المطعون ضدها على منزل الطاعن بعد العقد عليها من غير إكراه وقد طعنت في هذه الشهادة بما لا يدحضها وقد ادعت أن هناك ناساً هددوها بقبوله زوجاً ولم تستطع إثبات ذلك وهي التي طلبت الاكتفاء بما قدما من شهود ورغبت عن يمينه
هـ- إن قرار محكمة الاستئناف نفسه جاء معيباً إذ أن يقرأ كالآتي :
" قررت حضورياً قبول الاستئناف شكلاً وفي الموضوع إلغاء الحكم الابتدائي وعلى المستأنفة أن تعتد وأفهمها "
فما المقصود بهذا الحكم الذي يلغي الحكم الابتدائي فقط؟ هل يعني إعادة الدعوى للمحكمة الابتدائية لسماعها مرة أخرى أم يعني فسخ النكاح بين الطاعن ولمطعون ضدها – وإذا كان الأمر كذلك فقد كان الواجب توضيح الحكم في القرار وفقاً للقانون
وإننا حتى الآن وبكل احترام لا نعرف المحصلة النهائية لهذا القرار ولا أثره القانوني
لقد اعتمدت محكمة الاستئناف في إصدار حكمها على أحداث وقعت بعد صدور قرار محكمة الموضوع ومنها أخذ الطاعن للمطعون ضدها لخارج نيالا ليدخل بها ومثل الشريط الذي سجلت فيه المطعون ضدها رضاها بالزواج به – ون هذه الوقائع لم تثار ابتدائياً فلا تكن إثارتها في مرحلة الاستئناف وإنما الرضى المعول عليه وقت العقد ولكل ذلك يلتمس إلغاء حكم الاستئناف وتأييد الحكم الابتدائي
وقد أعلنت العريضة للمطعون ضدها وقد ردت عليها بلسان محاميها وقد تضمن ردها الآتي:
أ - لقد تعرض الزميل لشهادة الشاهد ولتي يزعم الزميل أنها متعارضة مع شهادته الأولى – تتفق الشهادتان في أن والدة المطعون ضده قد هددتها وتسهب الشهادة أمام محكمة الموضوع في شرح ظروف العقد بصورة تمس جوهر الإكراه الذي مورس على المطعون ضدها وبناء على ذلك لا أرى سبباً للتعارض وفي الفقرة (2) من عريضة الطعن عرض الزميل المحترم محامي الطاعن لشهادة الشاهد مدعياً أنه أ دلى بشهادتين متناقضتين على اليمني وهذا قول تعوزه الصحة
ب- أن محامي الطاعن لم يشأ أن يكمل قراءة منطوق قرار محكمة الاستئناف كاملاً واكتفى بعبارة إلغاء ونحن نقول إن فهم أي جملة يكتمل باكتمال قراءتها وبناء عليه فإن القراء المذكور مفهوم لدينا وإن آثاره القانونية المترتب معتبرة منا
ج- إن الطاعن هو الذي قام باختطاف المطعون ضدها وقام بالتسجيل وقام بتقديم هذا الشريط لمحكمة الموضوع كبينة على رضا المطعون ضدها ويأتي الآن ليقول أن هذه الوقائع لم تثار ابتداءً وأن الزميل هو الذي قدمها أمام المحكمة وساق كلاماً كثيراً ثم ختم عريضته بتأييد حكم الاستئناف ووقف الطعن
الأسباب
الطعن بالنقض استوفى إجراءاته الشكلية فهو مقبول لأن للدعوى لابتدائية قد سمعت وفصل فيها أثناء سريان قانون الإجراءات لعام 1974 فهو الواجب التطبيق عليها – وحيث أن محكمة الموضوع قد استمعت على شهادة من ناب عنه في عقد الزواج وشهد بموافقتها عليه عندما استشارها ووافقت على ذلك بحضور والديها ولم تستطع دحض شهادته ص 3-4 من ا لمحضر كما أن الشاهد الآخر شهد بانتقالها وترددها على منزل زوجه بعد العقد من تلقاء نفسه كثيراً ولم تستطع إنكار ذلك و الطعن في شهادته راجع المحضر 6 ولم تستطع المطعون ضدها إثبات ما ادعته من عدم المشورة والرضى والتهديد بل إنها اكتفت بما قدمته من شهود ورغبت عن يمينه – لقد ثبت لمحكمة أول درجة انتقالها إلى زوجها في داره وتكرر زيارتها له في داره من غير إكراه وهذا كاف في الدلالة على الرضى طبقاً للفقرة (ب) من ملحق المنشور القضائي 54 رقم 1 بتاريخ 15/4/1972
إن التصرفات اللاحقة والتي بدرت من الطاعن في حق المطعون ضدها والتعسف الواضح في استعمال حقه كزوج وخذه لها قسراً ودخوله بها وما صاحب ذلك من ضرب وخلافه يدل دلالة واضحة على أنه حاول كل الوسائل الممكنة للتصالح معها ولكن بلا جدوى مما حمله على فعل ما فعل
لقد أغفلت محكمة الاستئناف كل الشهادات والإفادات الواردة على لسان المطعون ضده في محضر الدعوى الابتدائية ولم تكلف نفسها عناء الرجوع إليها ولو فعلت لاستبان لا الأمر ولانتهت إلى غير ما انتهت إليه حالياً بل جملة تصرفاته اللاحقة ونفورها هي منه دليلاً على عدم الرضى ابتداءً فاستمعت إلى إفادات شهود انحرفوا في إفادتهم اللاحقة بغير ما أدلوا به سابقاً ويبدو أنهم تأثروا بأفعاله اللاحقة حيالها ولو أن المحكمة استفسرت الشهود عما أدلوا به سابقاً أمام محكمة الموضوع وما أدلوا به أمامها وأبانت لهم عن التناقض في شهادتهم فإما تمكنوا من إزالة هذا التناقض وكانت شهادتهم مقبولة وإما عجزوا فاستبعدتها ولقد حاول محامي المطعون ضدها في رده على عريضة الطعن التوفيق في ذلك ولكن لم يأت بما يفيد وكان رده في عمومه إنشائياً بحتاً ولم يعالج الوقائع بموضوعية
إنني أتفق مع محامي الطاعن في أن صيغة قرارا الاستئناف جاءت قاصرة ولم تف بالغرض المقصود – وكان على المحكمة أن تقرر بوضوح أن قرراها بالإلغاء يعني إعادتها لمحكمتها للسير فيها من جديد وأن تنص على ذلك أو أن تقرر هي فسخ عقد الزواج ما دامت اقتنعت بعدم صحته أما ترك الأمر من غير فصل فيه مما يجعله يحتاج إلى معالجة أخرى حتى يترتب عليه أثره القانوني فهو أمر غير سديد إن عقد الزواج عقد عظيم الخطر وعلى جانب كبير من الأهمية فلا بد فيه من التراضي والتوافق وما دام القانون قد أتاح للمرأة إبداء رأيها بصراحة ووضوح فيمن تريد الارتباط به قبل العقد فإن مسئولية القبول بالزواج أو رفضه مسئوليتها الشخصية فإن رضيت أمام الكافة فليس من حقها بعد العقد أن تنحل المعاذير لرفضها الخفي القبول به ( لأن ما يخفى على الناس من المتعذر إثباته في العلانية ) وهذا ما شاب هذه الرابطة بين الزوجين أن تصرفات الزوج اللاحقة حيال زوجته من ضرب وخطف وغير ذلك تعتبر من التصرفات المهينة والمسيئة للزوجة ويمكن معالجتها برفع دعوى بالطلاق للضرر للتخلص من إساءته البالغة ولكل ذلك نقرر الآتي :
المحكمة
تقرر قبول الطعن شكلاً وفي الموضوع إلغاء قرارا محكمة الاستئناف نيالا نمرة 35/ق س/1982 لبطلانه وتأييد قرار محكمة الموضوع نيالا في القضية نمرة 1861/ق/82 بما اشتمل غير جملة واعتبار عقد الزواج صحيحاً تترتب عليه آثاره القانونية ولا أمر بالرسوم

