محمد ابنعوف سليمان المستأنف / ضد / أحمد العبيد وآخر المستأنف ضدهما
محكمة الاستئناف
محمد ابنعوف سليمان المستأنف
/ ضد /
أحمد العبيد وآخر المستأنف ضدهما
م أ / أ س م / 833 / 1984
المبادئ:
إجراءات مدنية – الحكم – أصدره بالعملة المحلية – دعوى المطالبة بعملة أجنبية – أصدر الحكم فيها بهذه العملة أو ما يعادلها بالنقد المحلي مع تحديد سعر الصرف الساري وقت السداد
إجراءات مدنية – تنفيذ – إصدار محكمة التنفيذ أمراً بسداد العملة الأجنبية بالعملة المحلية – أثره على الحكم
1- يجب على المحاكم أن تصدر أحكامها بالعملة المحلية أما إذا رفعت دعوى للمطالبة بعملة أجنبية ينبغي على تلك المحاكم أن تصدر أحكامها بهذه العملة أو ما يعادلها بالعملة المحلية مع تحديد سعر الصرف الساري وقت الوفاء
2- إذا صدر حكم بدفع مبلغ من المال بالعملة الأجنبية وأمرت محكمة التنفيذ بسداده بالعملة المحلية لا يعتبر ذلك تغييراً أو تبديلاً للحكم
الحكم:
التاريخ : 27/ جمادى الأولي 1405 هـ
الموافق : 17/2/1985م
القاضي : الفاضل حسن خليفة
إذا قضي حكم محكمة بسداد مبلغ من المال بعملة أجنبية فهل يحق لقاضي التنفيذ أن يأمر بسداد هذا المبلغ بالعملة المحلية بما يعادل قيمة المبلغ المحكوم به بالعملة الأجنبية؟
بعبارة أخرى هل تعتبر محكمة التنفيذ بإصدارها هذا الأمر قد غيرت أو بدلت طبيعة الحكم بما يخالف القانون ؟
هذا هو السؤال الذي يثيره هذا الاستئناف ويتلخص الموضوع في أن محكمة مديرية الخرطوم قد أصدرت حكماً في الدعوى المدنية بالرقم 260/81 بتاريخ 25/8/82 مفادة أن يدفع المحكوم ضدهما (المستأنف عليهما) مبلغ مائتي ألف دولار أمريكي للمحكوم له (المستأنف له) زائداً رسوم الدعوى ثم عينت موعداً أقصاه خمسة عشر يوماً من ذلك التاريخ للوفاء بالسداد وفقاً لنص المادة 109 (1) من قانون الإجراءات المدنية وقد تأيد هذا الحكم واستفد جميع مراحل التظلم بع أن أضيفت إليه الفائدة وقدرها 9% على المبلغ المحكوم به من تاريخ رفع الدعوى وحتى السداد
عند التنفيذ نشب نزاع بين طرفي الخصومة فيما سبق أن حدده قاضي التنفيذ في أن يتم سداد المبلغ المحكوم بع بالعملة السودانية وفقاً للسعر الموازي لقيمة الدولار محسوباً بتاريخ صدور الحكم في 25/8/1982 وقد استمسك المحكوم له وأصر على أن يفي المحكوم ضده بالدولار الأمريكي وفق صيغة الحكم المؤيدة بواسطة المحكمة العليا غير أن المحكمة قررت بأن يتم السداد بالعملة المحلية حسب التقدير الذي سبق أن ورد لها من بنك السودان (مصلحة النقد الأجنبي)
وبناءً على ما قررته المحكمة قام المحكوم ضده بتوريد مبلغ 190618350 مليمج بالإيصال 257064 بتاريخ 15/8/1984 وحفظ بالأمانات لصالح الدائن ثم صدر الأمر لرئيس التسجيلات بفك الحجز عن العقار المراد بيعه استيفاءً للدين كله أو بعضه
ضد هذا القرار كان هذا الطعن والذي تتلخص أسبابه فيما سقناه من سؤال في صدر السرد ولا بأس من أن نقتطف فقرة من الاستئناف على سبيل التأكيد إذ جاء في الفقرة الخامسة ما يلي:
(نقول أنه متى ما حدد الحكم بالعملة التي يكون بها الوفاء فلا يكون من حق محكمة التنفيذ أن تقبل وفاء بأي عملة أخرى سواء كانت العملة سودانية أو غيرها من العملات إن قبول العملة السودانية وفاء بالحكم يعني أن القاضي قد عدل حكماُ نهائياً وهو ما لا يملكه ومما يخرج من سلطاته )
وقد جاء الرد على هذا الطعن في عدة جزئيات يمكن وصفها على النحو التالي : أولاً : وفيما يتعلق بنوعية العملة التي ينبغي الوفاء بها فأن ما قامت به محكمة التنفيذ لم يجانب ما درجت عليه المحاكم السودانية من تحديد قيمة أي عملة أجنبية بالعملة السودانية عن طريق الاستفسار من البنك المركزى إذ أن المراد هو تسوية قيمة نقدية بقيمة نقدية أخرى
ثانياً : ونسبة لأن الحكم المراد التنفيذ لأجله قد تم الطعن فيه عن طريق المراجعة بمقتضى المادة 215 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م ولم يبت فيه حتى هذه اللحظة فأنه لا يمكن وصفه بالحكم النهائي بعد
ثالثاً : فأن المحكمة عندما قررت السداد بالعملة المحلية الموازية في قيمتها للعملة الأجنبية (الدولار) فأنها إنما مارست سلطتها الطبيعية وفقاً لنص المادة 303 (2) من قانون الإجراءات المدنية وقد كان ذلك في حد ذاته غاية العدالة
رابعاً : أن الظروف القائمة لدي محكمة التنفيذ هي التي استدعتها للوقوف بالوفاء عن طريق العملة المحلية وهي ظروف لم تكن قائمة في ذهن القاضي الذي أصدر الحكم ولهذا لا يمكن القول بأنها عدلت أو غيرت حكم المحكمة
خامساً : فأن النقود بالمعني الاقتصادي والمالي هي وسيلة للسداد تقييمها بالذهب ولا يغير من طبيعتها وتقسيمها إلي دولار أو مارك أو دينار أو خلافها إذ يمكن بالحساب البسيط تحديد قيمة أي منها مع مراعاة الفرق
في معرض تعقيبه أحالنا محامى المستأنف له إلي سابقة محمد الحسن عثمان (ضد) ريتشارد بهيج وشركائه الصادرة بنشرة الأحكام الرباعية ( أكتوبر/ نوفمبر/ ديسمبر/ عام 1982) وهي سابقة تتحدث عن وضع مشابه للوضع الذي نحن بصدده الآن مما يمكن الاهتداء بها فقد صدر الحكم وقتذاك بأن يدفع المحكوم ضده المبلغ المحكوم به بالجنيه الإسترليني وقد قامت محكمة التنفيذ بالكتابة لبنك السودان ليمدها بسعر صرف الإسترليني بالعملة المحلية وهكذا جرى التنفيذ على هذا الأساس وافقت محكمة الاستئناف بالإجماع على تصرف قاضي المديرية حينذاك وذكرت أنه إذا صدر حكم بدفع مبلغ بالعملة الأجنبية ولم يشر إلي سعرها في تاريخ معين يتم الوفاء عند التنفيذ بسعر الصرف الساري وقت السداد وليس وقت رفع الدعوى
اعتقد أن المحاكم ينبغي أن تصدر أحكامها بالعملة الوطنية (الجنيه السوداني) مراعاة لما تقضيه السياسة العامة للدولة أما إذا أقيمت الدعوى للمطالبة بعملة أجنبية لأي سبب من الأسباب فينبغي على المحاكم عند إصدار أحكامها أن تقضي بها أو ما يعادلها بالنقد المحلي على أن تحدد على وجه الدقة سعر الصرف الساري المعادل بالعملة الوطنية
الحكم الذي نحن بصدده إجراءات تنفيذه لم يحدد ذلك مما جلب هذه الدوامة عند التنفيذ ومعلوم أن محكمة التنفيذ مقيدة في إجراءاتها بالكيفية التي صدر بها الحكم ولا تملك أدني سلطة في تعديله أو تبديلة مما تملكه المحاكم الاستئنافية وقد نصت المادة 232 (أ) من قانون الإجراءات المدنية 83 على وجوب تسليم أي مال محكوم به على وجه التعيين ولكن ما العمل إذا تعذر تنفيذ الحكم بهذه الصفة ؟ فإذا فرضنا جدلاً أن المحكوم ضده قد عجز عن السداد بالنقد الأجنبي فهل يظل الحكم بلا نفاذ أم أن المحاكم ستلجأ للقيمة النقدية ؟ لعل جل تنفيذات الأحكام تتم حتى في حالة العجز في السداد بالنقد المحلي بحجز منقولات أو عقارات المدين والتي تباع عادة وتورد حصيلتها بالنقد المحلي وفي التنفيذ الذي نحن بصدده طالب المحكوم له بالحجز على عقارات المدين ومنقولاته
فماذا كان ينتظر غير أن تباع وتورد حصيلتها بالنقد المحلي ؟ لا أتسأل بقدر ما أود أن أؤكد من حيث المنطق لا مجال للإصرار على السداد بالعملة الأجنبية فالقيمة النقدية بما يعادل المبلغ المحكوم به هو بيت القصيد
لهذا واستناداً على السابقة التي احالنا لها المحامى العالم واستناداً على ما للمحكمة من سلطات طبيعية تبرر لها وضع الحكم في موضع نفاذ لا أري ما يعيب في أن يكون السداد بالعملة الوطنية إذ أن ذلك لا يغير في طبيعة الحكم أو يعدله طالما كان المراد هو تحصيل القيمة النقدية للمبلغ المحكوم به بيد أن هناك نقطة واحدة أهم من ذلك ألا وهي :
ما هو التاريخ الذي يعتد به كي تتم فيه تسوية المبلغ المحكوم به بالعملة المحلية ؟ هل يحسب سعر صرف الدولار من تاريخ رفد الدعوى أم من تاريخ صدور الحكم كما فعلت محكمة التنفيذ أم من تاريخ السداد الذي حددته المحكمة أم أي تاريخ سداد لاحق لذلك ؟
قررت محكمة الاستئناف في السابقة التي سلفت إليها الإشارة أن الوقت الذي يعتد به هو وقت السداد ولا يصلح دفع المحكوم ضده بعدم ثبات سعر العملة الأجنبية إذا ما زاد على اعتبار أن الزيادة في سعر العملات ليس مما يدعو للدهشة أو المفاجأة
لا اعتقد أن هنالك سبباً يدعوني لمخالفة هذا الحكم الذي صدر بالإجماع وذلك لأنه أدعى لتحقيق العدالة إذا لا يعقل في من حبس مال الغير وانتفع به أن ينازع في قيمته وقت يحين استخراجه من ذمته لأنه هو الذي تسبب في تأخير الوفاء به حتى أوصله لمثل هذا الوضع الحرج
بقيت نقطة واحدة وهي ما أثاره الأستاذ/ محامى المستأنف ضده في دفعه بأن الحكم المراد تنفيذه لم يصل لمرحلته النهائية التي تستلزم تنفيذه حيث أفاد بأنه تقدم بطلب للسيد/ رئيس القضاء لشطب طلب المراجعة بواسطة قاض فرد ولا يزال الطلب قيد النظر
بمراجعة أوراق التنفيذ والإطلاع على الإجراءات المتخذة في جلساته يتبين أن هذا الدفع قد سبق أن عرض أمام المحكمة رغماً عن ذلك وفي الجلسات التي تلت الدفع به ارتضي محامى المستأنف عليه بأن يسدد بالفعل وعد بالسداد في تاريخ حددته له المحكمة محصلة هذا السلوك هو أنه يعد بمثابة تنازل عن حقه في الدفع الذي تقدم به بحيث لا يمكن أثارته في هذه المرحلة من ناحية أخرى ومع كثير احترامي وتقديري لرأي المحامى العالم فأن المحكمة العليا تمثل نهاية المطاف للطعون في الأحكام فأن صدر حكم يؤيد المحاكم الأدنى في الدرجة فأن هذا الحكم يأخذ الصفة النهائية وهذا ما حدث في هذه القضية فوق هذا وذاك فأن الأستاذ محامى المستأنف عليه لم يستصدر لمحكمة التنفيذ أمراً يلزمها بإيقاف إجراءاته حتى كان هذا الطعن وعليه فلا يجوز أن يخرج بهذا الموضوع كأحد الردود على الأسباب الواردة في الاستئناف
لكل هذه الأسباب مجتمعه فأني أقرر ما يلي :
1- تُعاد الأوراق لمحكمة التنفيذ ليُعاد حساب كل المبالغ المحكوم بها لصالح المحكوم له حسب سعر الصرف الذي كان سارياً في وقت السداد الذي حددته محكمة المديرية بالخرطوم في فقرته الثالثة وهو على وجه الخصوص يوم 9/9/1982 ولهذا يكتب للبنك المركزي (بنك السودان – قسم النقد الأجنبي) لتحديد سعر صرف الدولار الساري في ذلك التاريخ بالنقد المحلي
2- يتحمل المستأنف ضدهما رسوم هذا الاستئناف
3- يخطر الطرفان بالقرار ويدون تاريخ الإخطار

