حكومة السودان //ضد// إ . هـ . ي . م ع/ ط ج/10/2010م
بسم الله الرحمن الرحيم
المحكمة العليا
دائرة ولايتي البحر الأحمر وكسلا
ببورتسودان
القضاة:
سعادة السيد / سلمان عثمان يوســف
قاضي المحكمة العليا
رئيساً
سعادة السيد / إبراهيـم محمـد المكـي
قاضي المحكمة العليا
عضواً
سعادة السيد / إبراهيـم محمـد حمـدان
قاضي المحكمة العليا
عضواً
حكومة السودان //ضد// إ . هـ . ي .
م ع/ ط ج/10/2010م
قانون الطفـل لسنة 2004م – المـادة 5(ز) منه – تفسيرها – تطبيـق القانون الأصلح للطفل – القانون الجنائي لسنة 1991م – المادة (9) منه – قانون الطفل لسنة 2004م – المادتين 57(9) و 58(1) منـه – محكمة الطفل – متى ينعقد لها الاختصاص.
المبادئ:
1- بما أنه ليس من مصلحة الطفل وصف فعله بأنه جريمة يستحق عليها العقاب ما لم يبلغ الحلم لا يمكن تفسير العبارة التي وردت بالمادة 5(ز) من ذات القانون بأن المراد منها أن يكون الطفل مسئولاً جنائياً عن فعله إذا أتم السابعة من عمره بل يصار إلى القانون الأصلح له وهو ما جاء بالمادة التاسعة من القانون الجنائي لسنة 1991م.
2- يستدل من ما جاء بالمادتين 57(9) و58(1) من قانون الطفل لسنة 2004م عدم اختصاص محكمة الطفل بالفصل في الدعاوى إذا ارتكب الطفل الفعـل المخالف للقانون ولم يقـدم للمحاكمة إلا بعد تجاوزه مرحلة الطفولة أو أن تكون محاكمته قد بدأت ولم يتم الفصل فيها إلا بعد البلوغ.
المحامون:
الأستاذ/ جمال نوبي محمد حسن عن الطاعن
الحكــم
القاضي: سلمان عثمان يوسف
التاريخ: 7/4/2010م
بتاريخ 27/10/2009م تقدم إلينا بهذا الطلب جمال نوبي محمد حسن المحامي نيابة عن أولياء دم المرحوم أحمد جابر علي يلتمس فيه الطعن في حكم محكمة استئناف ولاية كسلا رقم أ س ج/284/2009م الصادر في 27/9/2009م وقضى بتأييد الإدانة بموجب المادة 130(2) من القانون الجنائي لسنة 1991م في مواجهة المتهم إ. هـ. ي. وتأييد حكم الدية وإلغاء أمر الحبس في مواجهة المدان على ذمة السداد وتأييد تحصيلها بموجب المادة 45(5) من ذات القانون . وأمرت بإعادة الأوراق إلى محكمة الموضوع لتطبيق أحد التدابير الواردة بالمادة (47) من ذات القانون على المدان.
وكانت وقائع الدعوى قد تلخصت في أنه بحي الجبل بحلفا الجديدة التقي المتهم بالمرحوم وشاهد الاتهام رمضان حوالي الساعة الثامنة وخمسة وخمسين دقيقة مساءً فطلب منه رمضان أن يعطيه سجارة فأجابه بأنه لا يحمل شيئاً من ذلك فأصر المرحوم على ذلك وأمسك بجيب المتهم الشمال وتأكد من وجودها وأراد أن يأخذ منها واحدة فرجع المتهم إلى الوراء والمرحوم يتقدم نحوه ضاحكاً وهو يطلب منه أن يعطيه واحدة وذكر المتهم أنه أراد أن يخيف المرحوم بدون إخراج للسكين ولكن جفير السكين كان إلى الأسفل وهي أي السكين تتجه إلى أعلى فامسك بها المتهم فجرحت أصابعه ويقول أنه لم يكن يعلم أن الجفير قد وقع فاخرج السكين من جفيرها وجاء المرحوم مندفعاً نحوه وامسكه من كتفه وأراد أن يأخذ السجائر والمتهم ثابت لا يتحرك فطعنته السكين في جنبه الأيسر مما أدى إلى وفاته.
محكمة الموضوع بتاريخ 17/8/2008م أدانت المتهم تحت المادة 130(2) من القانون الجنائي لسنة 1991م وحكمت عليه بالإعدام شنقاً حتى الموت على سند من أن المتهم أقر بالقتل في جميع مراحل الدعوى الجنائية ورأت أنه لا يستفيد من أي من الاستثناءات الواردة بالمادة (131) من ذات القانون.
محكمة استئناف ولاية كسلا بموجب حكمها رقم أ س ج /10/2008م الصادر في 15/9/2008م ألغت الإدانة والعقوبة وأمرت بإعادة الأوراق إليها لإعادة النظر في المحاكمة واستندت في حكمها إلى أن تاريخ ارتكاب الجريمة هو 17/4/2008م وفي ذلك التاريخ لم يبلغ المدان الثامنة عشرة من عمره ولكنه أكمل الخامسة عشرة من عمره ولا بد في هذه الحال من التحقيق لمعرفة بلوغه الحلم من عدمه ولا بد من عرضه على الجهات المختصة لتحديد ذلك . ورأت أيضاً أن المتهم لم يعين محامٍ للدفاع عنه مع أنه لم يثبت تنازله عن هذا الحق وهذا السبب يكفي وحده لإلغاء الحكم.
محكمة الموضوع بعد عودة الأوراق إليها خاطبت المدير الطبي لمستشفي حلفا الجديدة لعرض المتهم على الجهة المختصة لمعرفة ما إذا كان قد بلغ الحلم في تاريخ ارتكاب الجريمة في 17/4/2008م. وقد أفاد المدير الطبي أن المتهم بعد الكشف عليه في 18/3/2009م تبين أن علامات البلوغ الأولية مكتملة وتظهر عليه علامات البلوغ الثانوية وأنه الآن حالياً في مرحلة بلوغ الحلم ولكنه قبل عام من التاريخ المذكور لم يبلغ الحلم . وهذا المستند موقع عليه من الطبيب شريف أحمد طه وعليه خاتم مستشفي حلفا الجديدة التخصصي ومؤرخ في 18/3/2009م . وبتاريخ 29/3/2009م أمرت محكمة الموضوع بإعادة الكشف على المتهم بوساطة لجنة فنية مختصة فورد إليها كتاب مستشفي حلفا الجديدة التخصصي رقم م ح ج ت /44/ي/1 المؤرخ في 31/3/2009م وبه الإفادة بتكوين لجنة قمسيون طبي من الأطباء سعيد رجب خيري المدير الطبي وشريف أحمد طه مدير طبي الحوادث ويوسف الجزولي طبيب الأسنان وبعد الكشف على المتهم توصلت اللجنة إلى أنه لم يبلغ الحلم الآن وبالتالي لم يكن قد بلغ الحلم وقت ارتكاب الجريمة . وقد استمعت المحكمة إلى شهادة الطبيب شريف أحمد طه على اليمين وأكد أن علامات البلوغ الأولية مكتملة وهناك بداية لعلامات البلوغ الثانوية وبين أن علامات البلوغ الأولية تتمثل في شعر العانة والإبط ويكون لونه باهتاً وغير كثيف ونمو القضيب يكون طولياً وليس عرضياً . أما العلامات الثانوية فتتمثل في كثافة الشعر ويبدأ في الانتشار إلى اتجاه الأرجل والبطن ويصبح لونه داكناً ونمو القضيب يكون عرضياً . وذكر الشاهد أن المتهم الآن مراهق لم يبلغ الحلم وأن بلوغه الحلم يكتمل في خلال سنتين وذكر أنه يجزم بعدم بلوغ المتهم للحلم عند ارتكاب الجريمة في 17/4/2008م . أما الطبيب يوسف الجزولي يوسف طبيب الأسنان فقد جـاء في شهادته أنه اشترك في اللجنة الفنية لتقدير عمر المتهم استناداً إلى ضرس العقل . وذكر أن المتهم الآن قد اكتمل عنده ضرس واحد للعقل وهو لا يظهر عادة قبل بلوغ السابعة عشرة وظهوره يدل على بلوغ الحلم وذكر أن المتهم عندما عرض عليهم في اللجنة كان عمره أكثر من سبعة عشر عاماً ولكنه في 17/4/2008م كان عمره أقل من ذلك.
بجلسة 2/8/2009م قررت محكمة الموضوع أن المتهم ارتكب فعلاً بالمخالفة للمادة (130) من القانون الجنائي لسنة 1991م على سند من أنه طعن المرحوم بالسكين مما أدى إلى وفاته دون انقطاع للصلة بين هذا الفعل والوفاة ودون تدخل من عوامل خارجية وذكرت أيضاً أن المتهم استعمل السكين وهي أداة خطرة تقتل غالباً كما أن الطعنة جاءت في موقع حساس من جسم المرحوم حيث كانت بالجانب الأيسر من صدره ووصلت إلى منطقة تجويف القلب فأدت إلى تمزق العضلات وهذا يؤكد أن الموت كان نتيجة راجحة وليست محتملة لفعل المتهم.
وجاء في حيثيات الحكم أن المتهم عند ارتكاب الجريمة لم يبلغ الثامنة عشرة من عمره وأنه وفقاً للمادة الرابعة من قانون الطفل فإنه يقصد به كل ذكر أو أنثى دون الثامنة عشرة من العمر . كما أنه وفقاً للمادة الثالثة من القانون الجنائي لسنة 1991م فإن الشخص المكلف هو البالغ العاقل وأنه لم يثبت أمام المحكمة بلوغ المتهم للحلم وقت ارتكاب الجريمة وأن البلوغ يتطلب إثبات بلوغ الخامسة عشرة من العمر فضلاً عن ظهور العلامات الطبيعية للبلوغ وقد أثبتت البينة الطبية وشهادة الأطباء أمام المحكمة أن المتهم لم تظهر عليه تلك العلامات . ومن ثم فإنه لا يعد مرتكباً جريمة وفقاً لنص المادة التاسعة من القانون الجنائي لسنة 1991م وأنه يستفيد من هذه المادة فيعفي كلياً من العقاب إلا أن هذا لا يعفيه من تطبيق التدابير الواردة في قانون الطفل والنظر في أمر الدية . وتوصلت المحكمة في خاتمة المطاف إلى إلزام المتهم وعاقلته بدفع الدية الكاملة لأولياء دم المرحوم وقدرها مبلغ عشرين ألف جنيه سوداني تحصل بالطريق المدني وفقاً لنص المادة 45(5) من القانون الجنائي وأن يبقى المتهم في الحبس لحين تسديد مبلغ الدية.
محكمة الاستئناف وكما جاء في صدر هذه المذكرة أيدت الإدانة وعقوبة الدية وتحصيلها وفقاً لنص المادة 45(5) من القانون الجنائي وألغت أمر الحبس وأعادت الأوراق إلى محكمة الموضوع لتطبيق أحد التدابير الواردة بالمادة (47) من ذات القانون.
جاء في أسباب الطعن الآن أن أعضاء الدائرة الجنائية لمحكمة استئناف كسلا بالرقم 284/2009م سبق أن نظروا نفس إجراءات هذا الطعن بالاستئناف رقم 10/2008م وهم من أصدروا قرار إلغاء الإدانة تحت المادة (130) وإعادة الأوراق إلى المحكمة العامة لنظر الدعوى وفقاً لقانون الطفل وأن هذا يعد مخالفة صريحة لقانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م والذي يقول بأنه لا يجوز لقاضٍ أصدر حكماً أن ينظره في مرحلة الاستئناف ومن ثم فإنه أي محامي الطاعنين يطلب إلغاء الحكم جملة وتفصيلاً لمخالفته للقانون.
ويذكر أيضاً من أسباب الطعن أن المحاكم الأدنى خالفت نص المادة (3) من القانون الجنائي لسنة 1991م التي تفسر كلمة ( بالغ ) بأنه الشخص الذي ثبت بلوغه الحلم بالإمارات الطبيعية القاطعة وكان قد أكمل الخامسة عشرة من عمره . ومن الواضح أن المتهم يبلغ من العمر أكثر من خمسة عشر عاماً وقد ظهرت عليه علامات البلوغ الطبيعية حسبما أكده شاهد المحكمة . وذكر محامي الطاعنين أن هذا يوافق أساس المسئولية الجنائية في الشريعة الإسلامية التي ترتكز على عنصرين أساسيين هما الإدراك والاختيار ومرحلة الإدراك التام تبدأ ببلوغ الصبي سن الرشد أي الخامسة عشرة من عمره وهو رأي عامة الفقهاء وأخذ به القانون السوداني في المادة الثالثة . ويمضي قائلاً أن سن الرشد المنصوص عليها بالمادة الرابعة من قانون الطفل لا يقصد بها سن الرشد وفقاً لأحكام قانوني المعاملات والأحوال الشخصية وإنما يقصد بها سن المسئولية الجنائية وأشار إلى السابقة القضائية رقم 356/2007م التي جاء بها أن المسئولية الجنائية تنعقد كاملة إذا بلغ المدان الحلم وأكمل الخامسة عشرة من عمره ويجوز تطبيق عقوبة الإعدام عليه حداً أو قصاصاً ولا يتعارض هذا مع قانون الطفل وهذه السابقة منشورة بمجلة الأحكام القضائية لعام 2007م.
وجاء من ضمن الأسباب أن الحكم صدر بالمخالفة لنص المادة (41) من قانون الإثبات التي تنص على أن المستندات الرسمية تكون حجة على الجهة التي أصدرتها وعلى الكافة بما دون فيها ما لم يثبت تزويرها . وأن المستند الذي قررت بموجبه المحكمة أن المتهم من مواليد عام 1990 لم يعرض على الاتهـام حتى يبـدي ملاحظاته حولـه وفـي هذا إهـدار لحق أولياء الدم وأن المتعارف عليه قضاءً أن المستندات وإثبات الوقائع تكون في مرحلة الدعوى.
وأن المحاكم الأدنى خالفت الوزن السليم للبينات حيث أن الشاهد الذي اعتمدت على أقواله المحكمة عمره المهني أربع سنوات فقط وواضح عليه الارتباك من خلال إفاداته فقد جاء في أقواله أن العبرة في معرفة البلوغ ظهور العلامات الطبيعية وهي ظاهرة للعيان . والنتيجة الطبيعية لهذه الإفادة أن المتهم يبلغ الحلم وفقاً للإمارات الطبيعية الظاهرة ولكن الشاهد ذكر أن المتهم لم يبلغ الحلم الآن .
وفيما يختص بالشاهد الثاني وهو طبيب الأسنان فقد ذكر أنه لم يشترك في اللجنة كعضو في مسألة البلوغ بل لتحديد العمر وأن معرفة ذلك تتم عن طريق الضرس وهي مسألة علمية متعارف عليها ويقول محامي الطاعنين أن مسألة تحديد العمر مسألة مفروغ منها حيث أنه كان أكثر من سبعة عشر عاماً ولكن مناط عمل اللجنة هو معرفة بلوغ المتهم للحلم . ويقول أيضاً أن السوابق القضائية قالت بعدم التعويل على ضرس العقل لتحديد العمر وأن بزوغه ليس أمارة قاطعة فقد يبلغ المرء ولا يظهر ضرس العقل وأشار إلى سابقة المحكمة العليا رقم 256/1999م المنشورة بمجلة الأحكام القضائية لسنة 1999م.
وجاء في الأسباب أيضاً أن المحاكم الأدنى خالفت قانون القمسيون الطبي لسنة 1974م الذي أوجب ألا يقل عدد اللجنة الطبية عن ثلاثة أطباء ويكون من بينهم أخصائي على الأقل.
وفي خاتمة المطاف التمس محامي الطاعنين إلغاء أحكام المحاكم الأدنى وإعادة الأوراق إلى المحكمة الابتدائية لإنزال العقوبة الواجبة في حق من خالف نص المادة (130) من القانون الجنائي لسنة 1991م تنزيلاً لعدالة السماء وصوناً للمجتمع.
محامي الطاعنين أعلن بحكم محكمة الاستئناف في 15/10/2009م وتقدم بطلبه أمامنا في 27/10/2009م وهذا يعني تقديمه خلال القيد الزمني المنصوص عليه بالمادة (184) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م . وعليه أرى أن يقبل من حيث الشكل.
أما من حيث الموضوع فإنه فيما يتعلق بالسبب الأول الذي جاء بصحيفة الطعن ويقول فيه محامي الطاعنين أن أعضاء الدائرة الجنائية بمحكمة الاستئناف سبق أن نظروا نفس هذه الإجراءات وأصدروا الحكم رقم 10/2008م بإلغاء الإدانة تحت المادة (130) وإعادة الأوراق إلى المحكمة ومن ثم فإنه لا يجوز لهم نظر الاستئناف مرة أخرى وأن نظرهم يعتبر مخالفة للقانون . وللرد على ذلك نقول أن هذا فهم غريب لنص المادة 131(2) من قانون الإجراءات الجنائية التي تنص على أنه لا يجوز للقاضي الذي أصدر الحكم الاشتراك في نظر أي طعن أو تأييد أو فحص لذلك الحكم. والمقصود من هذا النص أن قاضي المحكمة الابتدائية إذا أصدر حكماً في الدعوى لا يجوز له أن يفصل في الطعن في هذا الحكم كجهة استئنافية كأن يصدر الحكم وهو قاضي محكمة عامة فإذا عين كقاضي محكمة استئناف بعد ذلك لا يجوز له أن يكون عضواً في دائرة محكمة الاستئناف لنظر الطعن في الحكم الذي أصدره سابقاً وكذلك الحال إذا كان عضواً في دائرة محكمة الاستئناف وشارك في إصدار الحكم ثم عين قاضياً للمحكمة العليا لا يجوز له أن يكون عضواً في دائرة المحكمة العليا للفصل في الطعن أو لفحص الحكم الذي سبق له أن أصدره بمحكمة الاستئناف . وفي كل هذه الصور يعتبر هو القاضي الذي أصدر الحكم أو شارك في إصداره بصفته عضواً في الدائرة التي أصدرته . أما في الحالة المطروحة الآن نجد أن هناك اثنين من قضاة محكمة الاستئناف كانا من أعضاء الدائرة الجنائية التي أصدرت الحكم رقم 10/2008م . وتم بموجبه إلغاء الحكم المطعون فيه وإعادة الأوراق إلى المحكمة الابتدائية للنظر في الدعوى وفقاً لموجهات معينة وعندما تم الطعن في الحكم الجديد أمام محكمة الاستئناف كان نفس القاضيين عضوين بالدائرة الجنائية لنظر الطعن رقم أ س ج /284/2009م . ولم يصدر أي من القاضيين الحكم الجديد محل الطعن ولم يشارك في إصداره بل هو حكم جديد أصدره قاضي المحكمة العامة وإذا كانت محكمة الاستئناف قد ألغت الحكم القديم وأمرت بالفصل في الدعوى وفقاً لموجهات معينة لا تصبح بذلك مشاركة في إصدار الحكم الجديد بل يجوز لها الفصل في الطعـن فيه للوقوف على سلامته وموافقته للموجهات التي أمرت بها من قبل ولا ينطبق عليها ما جاء بالمادة 131(2) من قانون الإجراءات الجنائية . وفي تقديري أنه لا مجال للتمسك بهذا السبب لإبطال الحكم.
أما فيما يختص بالسبب المتعلق ببلوغ المتهم الحلم وظهور علامات البلوغ عليه فإن محامي الطاعنين لا يدعي أن المتهم بلغ الثامنة عشرة من عمره عند ارتكاب الجريمة بل يقول بأنه بلغ الخامسة عشرة من العمر وزاد عليها وأنه ظهرت عليه علامات البلوغ ومن ثم فإنه مسئول جنائياً عن فعله ويستحق توقيع عقوبة الإعدام عليه.
وبمراجعة نص المادة الثالثة من القانون الجنائي لسنة 1991م نجد أن كلمة (بالغ) تعني الشخص الذي ثبت بلوغه الحلم بالأمارات الطبيعية القاطعة وكان قد أكمل الخامسة عشرة من عمره ويعتبر بالغاً كل من أكمل الثامنة عشرة من عمره ولو لم تظهر عليه علامات البلوغ . ويستفاد من هذا النص أن القانون السوداني يفترض بلوغ الشخص الحلم إذا أكمل الثامنة عشرة من عمره ولا يجوز لأحد أن يدعي عدم البلوغ مادام قد وصل إلى هذه السن أما إذا كان عمره أقل من ذلك فإنه يعتبر بالغاً بسببين مجتمعين السبب الأول ظهور علامات البلوغ الطبيعية القاطعة والسبب الثاني بلوغه خمسة عشرة عاماً وهذا يعني أنه إذا بلغ خمسة عشرة عاماً ولم تظهر عليه هذه الأمارات لا يكون بالغاً وكذلك إذا ظهرت عليه إمارات البلوغ وكان عمره أقل من خمسة عشرة عاماً . وعلى هذا لا يعتبر مرتكباً جريمة باعتباره صغيراً غير بالغ وفقاً لنص المادة (9) من القانون الجنائي لسنة 1991م.
وبتطبيق ذلك على الحالة المطروحة الآن نجد أن المتهم لم يبلغ الثامنة عشرة من عمره عند ارتكاب الجريمة وهذا أمر متفق عليه حتى من قبل الاتهام الذي كان جل همه إثبات ظهور علامات البلوغ عليه مع تجاوزه للخامسة عشرة من عمره ولم يجزم ببلوغه الثامنة عشرة من عمره عند ارتكاب الجريمة . وقد أكد المدير الطبي للمستشفي الذي اجرى الكشف على المتهم بتاريخ 18/3/2009م أنه قبل عام لم يبلغ الحلم وهذا التاريخ يوافق 17/4/2008م لحظة ارتكاب الجريمة ومن بعد ذلك يؤكد التقرير الطبي الذي أجراه القمسيون الطبي أن المتهم لحظة ارتكاب الجريمة لم يكن قد بلغ الحلم وقد أدلى عضوان من لجنة القمسيون الطبي بشهادتهما على اليمين أمام المحكمة وأكد أحدهما وهو الطبيب شريف أحمد طه أنه يجزم بأن المتهم لم يبلغ الحلم عند ارتكاب الجريمة في 17/4/2008م . كما أكد الآخر وهو الطبيب يوسف الجزولي أن المتهم كان عمره أقل من سبعة عشرة عاماً لحظة ارتكابه للجريمة.
هذه البينات التي أشرنا إليها تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن المتهم لحظة ارتكاب الجريمة كان عمره أقل من ثمانية عشرة عاماً وتؤكد أيضاً أنه لم يبلغ الحلم في تلك اللحظة ولا يؤثر بعد ذلك اختلاف أقوالهم حول ظهور علامات البلوغ عند الكشف عليه – فسواء اتفقت أقوالهم أو اختلفت فإن القول الفصل في هذه المسألة تأكيدهم عدم بلوغه الحلم لحظة ارتكاب الجريمة وهذا هو الذي يعنينا في هذه القضية إذ أن العبرة ببلوغه الحلم لحظة ارتكاب الجريمة وليس عند إجراء المحاكمة فإذا ثبت أنه لم يبلغ الحلم لحظة ارتكاب الجريمة فيتعين معاملته على أنه طفل لا يسأل جنائياً عن فعله حتى ولو كان قد اكتمل بلوغه الحلم عند المحاكمة.
وفيما يختص بما جاء في أسباب الطعن من أن المحاكم الأدنى خالفت قانون القمسيون الطبي لسنة 1974 الذي حدد أعضاء اللجنة الطبية بثلاثة أطباء علي أن يكون من بينهم أخصائي علي الأقل نقول بأن القانون المشار إليه قد الغي بموجب المادة الثانية من قانون القمسيون الطبي القومي لسنة 2008م وأصبح الأخير هو القانون السائد ولم يرد فيه ما يحدد عدد أعضاء اللجان الفنية أو وصف أي عضو فيها وعلي افتراض أن اللوائح الصادرة بموجب القانون الذي تم إلغاؤه تحدد ذلك فإن اللجنة التي كونت لبيان حالة الجاني في هذه الدعوى تم تشكيلها من ثلاثة أطباء أحدهم أخصائي مما يعني عدم وجود مخالفة لهذه اللائحة المزعومة ولا أري وجهاً للتمسك بهذه المسألة كسبب لإلغاء الحكم المطعون فيه.
وفيما يختص بما ورد في أسباب الطعن من أن الحكم المطعون فيه صدر مخالفاً لنص المادة (41) من قانون الإثبات التي تحدثت عن حجية المستندات الرسمية حيث إن المستند الذي حدد تاريخ ميلاد المتهم بعام 1990 لم يعرض على الاتهام لإبداء ملاحظاته عليه وفي هذا إهدار لحقه نقول بأنه لا توجد حاجة للتمسك بهذا السبب لإبطال الحكم لأنه وكما سبق أن أوضحنا فإن الاتهام والدفاع يقرون ويتفقون على أن المتهم عند ارتكابه للقتل لم يبلغ الثامنة عشرة من عمره وهذا الاتفاق تم بعيداً عن محتويات هذا المستند ودون الاستناد إليها وبما أن البينة التي قدمت تشير بوضوح إلى أن المتهم لم يبلغ الحلم عند ارتكاب حادث القتل فإنه لا يسأل جنائياً عن هذا الفعل حتى ولو كان عمره حينذاك أكثر من خمسة عشر سنة وعليه فإنه لا أثر لهذا المستند الذي يتحدث عنه الطاعن سواء عرض على الاتهام لمناقشته أم لا.
وفيما يختص بما ورد في الأسباب من أن الشاهد الذي اعتمدت عليه المحكمة للقول بعدم بلوغ المتهم عند ارتكابه للقتل جاءت أقواله متناقضة وأنه كان مرتبكاً حيث جاء في أقواله أن العلامات الطبيعية للبلوغ ظاهرة للعيان ولكن الشاهد انتهي إلى أن المتهم لم يبلغ الحلم الآن مع أن القول بظهور العلامات الطبيعية يقود مباشرة إلى القول ببلوغه.
نقول رداً على ذلك أن الشاهد المعني هو الطبيب شريف أحمد طه المدير الطبي للحوادث وبمراجعة شهادته أمام المحكمة لا نجد ارتباكاً في أقواله ولا تناقض فيها فقد تحدث الشاهد عن علامات البلوغ الطبيعية وذكر أن منها ما هو أولي ويتمثل في شعر العانة والإبطين وأنه في هذه المرحلة يكون غير كثيف وباهت اللون ويتمثل أيضاً في نمو القضيب طولياً ومن العلامات ما هو ثانوي ويتمثل في كثافة شعر العانة والإبطين وانتشار الشعر إلى الصدر والبطن ويكون لونه داكناً وينمو القضيب عرضياً ويستفاد من أقوال الشاهد أن المتهم لم تكتمل عنده العلامات الثانوية بالرغم من ظهور العلامات الأولية وأنه عند الكشف عليه كان في مرحلة المراهقة ولم يصل بعد إلى محطة البلوغ المكتمل من حيث ظهور العلامات الثانوية وذكر أنه سوف يصل إلي هذه المرحلة في خلال سنتين . ولذلك فإنه لا تناقض في قوله بظهور العلامات الطبيعية وقوله بعدم اكتمال مرحلة البلوغ وذلك لأن ظهور العلامات الطبيعية الأولية لا يعني بالضرورة أنه قد بلغ الحلم بصورة كاملة . وما لم يبلغ المتهم مرحلة البلوغ النهائية لا يمكن القول بأنه مسئول جنائياً عن فعله خاصة وأنه من المتفق عليه أنه لم يبلغ الثامنة عشرة من عمره.
وجاء في أسباب الطعن الإشارة إلى سابقة المحكمة العليا رقم 356/2007م المنشورة بمجلة الأحكام القضائية لسنة 2007م والتي ذكرت فيها المحكمة أن سن الرشد المنصوص عليها بالمادة الرابعة من قانون الطفل لسنة 2004م لا يقصد بها سن الرشد وفقاً لأحكام قانوني المعاملات المدنية والأحوال الشخصية وإنما يقصد بها سن المسئولية الجنائية ورتبت المحكمة على ذلك أنه لا تعارض بين قانون الطفل والقانون الجنائي فيما يتعلق بتحديد سن المسئولية الجنائية ولذلك فإنه يمكن تطبيق عقوبة الإعدام على الطفل المدان إذا بلغ الحلم وأكمل الخامسة عشرة من عمره إذا كان الإعدام عقوبة لإدانته بجريمة حدية أو جريمة قصاص.
نقول تعليقاً على ذلك أن الرشيد لغة هو الذي تنساق تدبيراته إلى غاياتها على سبيل السداد من غير إشارة مشير أو تسديد مسدد كما ورد في كتاب (لسان العرب لابن منظور) . وجاء فيه أن الرشد نقيض الغي والضلال إذا أصاب وجه الأمر والطريق . (( يراجع لسان العرب لابن منظور باب الراء – كلمة رشد )).
وعلى ذلك فإن الرشد يتعلق بمعرفة المصلحة والهداية عليها فيما يختص بالتصرفات العادية للشخص خاصة فيما يتعلق بشئون المال والأسرة والمسئولية المدنية بصورة عامة . أما فيما يختص بالجنايات فلا علاقة لسن الرشد بذلك فالجناية تقع من الرشيد وغير الرشيد وتقع من المحجور عليه للسفه والغفلة ومن غير المحجور عليه بسبب من ذلك وقد فصل كل من قانون المعاملات المدنية وقانون الأحوال الشخصية سن الرشد فيما يختص بالتصرفات المالية من بيع وشراء وهبه ورهن وغير ذلك من زواج وطلاق . ونحن لسنا في حاجة إلى القول بأن سن الرشد المنصوص عليها في قانون الطفل هي سن المسئولية الجنائية نظراً لعدم وجود العلاقة بين الرشد والجناية بل نقول بعدم وجود اختلاف بين قانون الطفل لسنة 2004م والقانون الجنائي لسنة 1991م فيما يختص بتحديد سن المسئولية الجنائية فقد جاء بالمادة الخامسة من قانون الطفل بالفقرة (ز) أن الطفل لا يسأل جنائياً ما لم يبلغ سن السابعة من عمره وهذا ينفي المسئولية جنائياً عن أي طفل لم يبلغ السابعة من العمر ولكنه إذا بلغ هذه السن يمكن أن يوصف بأنه طفل جانح ما لم يبلغ الخامسة عشرة من عمره كما ورد في تعريف الطفل الجانح بالمادة الرابعة من ذات القانون ويوصف الطفل بأنه جانح في أحوال معينة وردت على سبيل الحصر بالمادة (41) من ذات القانون وذلك إذا وجد متسولاً أو يمارس ما لا يصلح وسيلة مشروعة لكسب عيشه أو كان مارقاً من سلطة والديه أو تكرر هروبه من البيت أو المدرسة أو كان يتردد على الأماكن المشبوهة أو يألف المبيت بأماكن غير معدة للإقامة ففي هذه الحال يوصف بأنه جانح أو معرض للجنوح وبين القانون الإجراءات التي تتخذ ضده فهذه مسئولية على نطاق محدود . أما متى يكون مسئولاً جنائياً بصورة كاملة ويعامل بأنه مجرم يستحق العقاب ؟ فهذا ما لم يتعرض له قانون الطفل لسنة 2004م بل يصار في ذلك إلى ما ورد بالقانون الجنائي لسنة 1991م ومن ثم فإنه لا تعارض بين القانونين في هذا الاتجاه ويلاحظ أن كلا من قانون الطفل والقانون الجنائي لا يقول بإخضاع الطفل لتدابير الرعاية والإصلاح إلاّ إذا بلغ السابعة من العمر ولا يخضع لأي منها قبل بلوغه هذه السن حيث جاء بالمادة التاسعة من القانون الجنائي أنه يجوز تطبيق تدابير الرعاية والإصلاح الواردة في القانون على من بلغ سن السابعة من عمره حسبما تراه المحكمة مناسباً . أما قانون الطفل فقد نص على فرض تدابير الرعاية على الأطفال الجانحين أو المعرضين لخطر الجنوح بالمادة (42) منه ولا يوصف الطفل بأنه جانح إلا إذا أتم السابعة من عمره حسبما ورد في تعريف الطفل الجانح بالمادة الرابعة منه . ولكن يلاحظ أن المادة 5(ز) من قانون الطفل لم تكن حاسمة وشافية فيما يختص بتحديد سن المسئولية عند الطفل بل اكتفت بالقول بأنه لا يسأل جنائياً ما لم يبلغ سن السابعة من عمره ومفهوم المخالفة في هذه الحال يقتضي سؤاله جنائياً إذا أتم هذه السن وفي تقديري أن هذا غير مراد ولم يقصد إليه المشرع عند وضعه لهذا القانون وذلك لأن المسئولية الجنائية عن الفعل تقتضي وصف الفعل بأنه جريمة في حق مرتكبه والجناية هي الذنب والجرم وما يفعله الإنسان مما يوجب عليه العقاب أو القصاص في الدنيا والآخرة . (( يراجع لسان العرب لابن منظور في باب الجيم كلمة جني )).
ومعلوم شرعاً أن الإنسان لا يؤاخذ على فعله ويحاسب عليه من حيث التجريم والعقاب إلا إذا أصبح مكلفاً ولا يكلف إلا إذا بلغ الحلم وأن القلم مرفوع عن الصبي حتى يحتلم كما ورد في الحديث الشريف . وقد نصت الفقرة (ب) من المادة الخامسة من قانون الطفل على أن حمايته ومصالحه الفضلى لها الأولوية كما أن المادة 61(هـ) من ذات القانون تجعل مصلحة الطفل هي الغاية من التدابير التي توقع عليه وبما أنه ليس من مصلحة الطفل وصف فعله بأنه جريمة يستحق عليه العقاب ما لم يبلغ الحلم لا يمكن تفسير العبارة التي وردت بالمادة 5(ز) من ذات القانون بأن المراد منها أن يكون الطفل مسئولاً جنائياً عن فعله إذا أتم السابعة من عمره بل يصار إلى القانون الأصلح له وهو ما جاء بالمادة التاسعة من القانون الجنائي لسنة 1991م من أنه لا يعد مرتكبا جريمة الصغير غير البالغ وقد جاء النص عاماً يشمل الصغير الذي لم يتم السابعة من عمره ويشمل من أتم هذه السن أو تجاوزها ولا يوصف فعله بأنه جريمة إلا إذا بلغ الحلم وأصبح بالغاً حسب التعريف الوارد لكلمة ( بالغ ) بالمادة الثالثة من القانون الجنائي . وعلى ذلك تفسر هذه العبارة بحيث يكون المقصود منها محاسبته على فعله واتخاذ تدابير الرعاية والإصلاح في مواجهته إذا أتم السابعة من عمره.
أخلص من ذلك إلى أن المتهم لم يبلغ الحلم لحظة ارتكابه الفعل المخالف للقانون وإذا كانت قد ظهرت عليه علامات البلوغ الطبيعية الأولية فإن ذلك لا يعني اكتمال بلوغ الحلم ما لم تظهر عليه العلامات الطبيعية الثانوية كما أوضحنا من قبل ولذلك فإن فعله لا يوصف بأنه جريمة يعاقب عليها القانون ولا يمكن أن توقع عليه عقوبة القصاص حسبما يطالب الاتهام بذلك بل ولا يمكن تصور توقيع عقوبة السجن أو الغرامة في حقه لأن هذه العقوبات إنما توقع جزاءً وفاقاً على الفعل المسئول عنه جنائياً والمتهم الذي أمامنا لا يسأل جنائياً عن فعله . وعلى افتراض أن ما ذكره محامي الطاعنين كان صحيحاً فيما يختص بظهور علامات البلوغ الطبيعية الثانوية مع إكماله للخامسة عشرة من عمره عند ارتكابه للفعل وأنه بذلك يعتبر مسئولاً جنائياً عن فعله فإنه لا يمكن أيضاً توقيع عقوبة الإعدام عليه وذلك لأنه من المتفق عليه أنه لم يبلغ الثامنة عشرة من عمره عند ارتكاب الجناية وكما ذكرنا فإن هذا ما يقول به الاتهام نفسه ولا توقع عليه عقوبة الإعدام تطبيقاً لنص المادة 61(د) من قانون الطفل لسنة 2004م حيث جاء بها أن المحكمة لا توقع عقوبة الإعدام على الطفل ولم تميز هذه المادة بين عقوبة الإعدام حداً أو قصاصاً أو تعزيراً فمهما كانت الجريمة المرتكبة فإنه لا يجوز توقيع عقوبة الإعدام على الطفل وقد عرفته المادة الرابعة من ذات القانون بأنه كل ذكر أو أنثي دون الثامنة عشرة من عمره وإذا كان قانون الطفل قد ربط ذلك ببلوغ سن الرشد بموجب القانون المنطبق عليه فإنه لا خلاف بين هذا القانون وقانون المعاملات المدنية لسنة 1984م وقانون الأحوال الشخصية لسنة 1991م حيث جاء في كل منهما تحديد سن الرشد بثمانية عشرة عاماً حسبما تشير إلى ذلك المادة 22(2) من قانون المعاملات المدنية والمادة (215) من قانون الأحوال الشخصية . وإذا كانت المادة 27(2) من القانون الجنائي لسنة 1991م تنص على عدم جواز الحكم بالإعدام على من لم يبلغ الثامنة عشرة من عمره باستثناء جرائم الحدود والقصاص فإن هذا النص ورد بقانون عام وهو القانون الجنائي علماً بأن قانون الطفل هو قانون خاص بالطفل وقد نصت المادة 6(4) من قانون تفسير القوانين والنصوص العامة لسنة 1974م على اعتبار أي قانون خاص أو أي حكم خاص بأي مسألة في أي قانون استثناءً من أي قانون عام أو نصوص عامة في أي قانون يحكم المسألة . ومن جهة أخرى فإن القانون الجنائي صدر في عام 1991م كما أن قانون الطفل صدر لاحقاً في عام 2004م ووفقاً لنص المادة 6(3) من قانون تفسير القوانين المشار إليه فإنه تسود أحكام القانون اللاحق على القانون السابق بالقدر الذي يزيل التعارض بينهما . ووفقاً لنص المادة الثالثة من قانون الطفل لسنة 2004م فإنه تسود أحكامه على أي حكم يتعارض معها تأويلاً لمصلحة الطفل في أي قانون آخر إلى المدى الذي يزيل ذلك التعارض . وعليه فإنه من المتعين تقديم قانون الطفل على غيره من القوانين فيما يتعلق بمسألة الحكم بالإعدام على سند من أن المدار دائماً حول مصلحة الطفل . ومن ثم فإنه لا يمكن الاستجابة لطلب الطاعن فيما يتعلق بإعادة الأوراق للعمل على توقيع هذه العقوبة وذلك لوجهين الوجه الأول هو أن ما فعله المتهم لا يمكن وصفه بأنه جريمة في حقه لأنه غير مسئول جنائياً لحظة وقوع الفعل ومن ثم لا يمكن معاقبته بالإعدام أو غيره من العقوبات ومن وجه آخر فإنه على افتراض أنه مسئول جنائياً فإن قانون الطفل يمنع توقيع عقوبة الإعدام في حقه.
وإذا كان لا يمكن الحكم بالإعدام ولا بغيره من العقوبات التي نص عليها القانون الجنائي باعتبار أنه لا يتصور مساءلة الصغير من ناحية جنائية فإن ذلك لا يعني إطلاق العنان له ليمرح كيفما شاء ولذلك جاءت المادة (47) من القانون الجنائي لسنة 1991م تنص على تدابير الرعاية والإصلاح المقررة على الأحداث وهي تطبق على المتهم الذي بلغ وقت ارتكاب الفعل الجنائي سن السابعة ولم يبلغ بعد الثامنة عشرة من عمره وتتمثل هذه التدابير في توبيخه بحضور وليه في الجلسة أمام المحكمة أو جلده على سبيل التأديب بما لا يجاوز عشرين جلدة أو تسليمه لوليه أو أي شخص يؤتمن عليه أو إلحاقه بإحدى مؤسسات الإصلاح والرعاية الاجتماعية . كما أن المادة 68(1) من قانون الطفل لسنة 2004م تنص على أن الطفل إذا أتم الخامسة عشرة من عمره ولم يجاوز الثامنة عشرة يلحق بدار التربية لمدة لا تجاوز عشر سنوات إذا كان الفعل الجنائي يشكل جريمة عقوبتها الإعدام أو السجن المؤبد وفي غير ذلك يلحق بدار التربية لمدة تحددها المحكمة . وما جاء في القانون الجنائي وقانون الطفل يوافق الاتجاه العام للفقه الإسلامي حيث أن الصغير إذا ارتكب أية جريمة قبل بلوغه السابعة من عمره لا يعاقب عليها جنائياً ولا تأديبياً فلا يحد إذا ارتكب فعلاً يوجب الحد ولا يقتص منه إذا قتل غيره أو جرحه ولا يعزر . أما إذا وصل مرحلة الإدراك الضعيف ببلوغه السابعة من العمر وتنتهي هذه المرحلة ببلوغه الحلم ويوصف في هذه المرحلة بأنه صغير مميز ولا يسأل في هذه المرحلة جنائياً عن فعله فلا يحد إذا سرق أو زنا مثلاً ولا يقتص منه إذا قتل أو جرح وإنما يسأل مسئولية تأديبية فيؤدب علي ما يأتيه من جرائم والتأديب وإن كان في ذاته عقوبة على الجريمة إلا أنه عقوبة تأديبية لا جنائية . (( يراجع كتاب التشريع الجنائي الإسلامي لعبد القادر عودة ج1 ص 601 وما بعدها طباعة مؤسسة الرسالة سنة 2001م )).
وتدابير الرعاية والإصلاح التي نص عليها القانون السوداني يجوز للمحكمة أن تفرضها للمدة التي تراها ضرورية ومناسبة على ألا تجاوز المدة بلوغ الطفل الثامنة عشرة من عمره كما هو منصوص على ذلك بالمادة 42(2) من قانون الطفل لسنة 2004م وهذا يعني أن المحكمة إذا اختارت تدبيراً للرعاية والإصلاح وضع الطفل في دار للتربية أو مؤسسة للإصلاح يتعين ألا يبقى في الدار أو المؤسسة مجاوزاً عمره الثامنة عشرة وكذلك الحال إذا كان صغيراً عند ارتكاب الفعل الجنائي وتجاوز الثامنة عشرة من عمره قبل صدور الحكم في الدعوى الجنائية أو كانت إجراءات الدعوى حركت في مواجهته بعد تجاوزه لهذه السن فإنه لا يمكن القول بجواز إيداعه بدار الرعاية أو مؤسسة الإصلاح بالرغم من أنه يستفيد من عدم بلوغه الحلم ساعة حدوث الفعل بعدم مساءلته جنائيا ًوذلك لأن هذه الدور يودع فيها الأحداث بقصد تقويمهم وتربيتهم حتى يخرجوا إلى المجتمع كأعضاء صالحين ولا يودع فيها من تجاوز الثامنة عشرة من عمره لأنه تدبير غير مناسب في حقه إلا إذا أصبح شيخاً تجاوز السبعين من عمره فيصبح محتاجاً إلى الرعاية.
وإذا كان المتهم بالدعوى المطروحة الآن كان عمره أكثر من سبعة عشرة عاماً عندما عرض على اللجنة الطبية لتحديد بلوغه الحلم في 31/3/2009م فإنه بالتأكيد تجاوز الثامنة عشرة من عمره الآن ومن ثم فإنه لا يمكن القول بجواز إيداعه بمؤسسة الرعاية والإصلاح . وهذا يعني أنه لا يمكن أن تطبق عليه التدابير المنصوص عليها بالمادة 68(1) من قانون الطفل لسنة 2004م لأنها حسب نص المادة تطبق على الطفل الذي لم يجاوز عمره الثامنة عشرة . ولنفس هذا السبب لا يمكن أن تطبق عليه التدابير المنصوص عليها بالمادة (47) من القانون الجنائي لسنة 1991م . وأيضاً لا يمكن أن توقع عليه العقوبة المنصوص عليها بالقانون الجنائي غير التدابير المذكورة لأنه وكما سبق أن أوضحنا لا يوصف فعله بأنه جريمة ولا يسأل عنه جنائياً بسبب عدم بلوغه الحلم عند ارتكاب الفعل المخالف للقانون.
ويلاحظ أن الأوراق بعد عودتها إلى محكمة الموضوع من محكمة الاستئناف وبتاريخ 15/10/2009م أمرت بتوقيع الجلد على المتهم عشرين جلدة على سبيل التأديب وبطبيعة الحال فإن هذا الحكم لم يكن محلاً للطعن فيه أمام محكمة الاستئناف حيث أنها أصدرت حكمها بتاريخ 27/9/2009م كما أن التدبير الذي أمرت به المحكمة الابتدائية ليس محلاً للطعن أمامنا الآن.
ولكن طبقاً للمادة (188) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م يجوز للمحكمة العليا من تلقاء نفسها أن تفحص محضر أي دعوى جنائية صدر فيها تدبير قضائي أمام أي محكمة في دائرة اختصاصها بغرض التأكد من سلامة الإجراءات وتحقيق العدالة وان تأمر بما تراه مناسباً وعليه فإنه يمكننا النظر في هذا التدبير الجديد إضافة إلى ما سبقه من تدابير حتى يكون الحكم مكتملاً خاصة وأن تجزئه الفصل فيه يكون سبباً لتطويل أمد التقاضي في هذه الدعوى.
وفي تقديري أن ما أمرت به المحكمة الابتدائية مؤخراً هو إجراء مناسب ومعقول وهو تدبير نص عليه بالمادة 47(ب) من القانون الجنائي لسنة 1991م وتأتى معقوليته ومناسبته من كون عقوبة الجلد يمكن توقيعها على الصغير المميز وعلى الكبير الذي لم يبلغ الستين من عمره فيما عدا جرائم الحدود وفقاً لنص المادة 35(1) من القانون الجنائي لسنة 1991 م . ويمكن وصفها في مواجهة المتهم الماثل أمامنا الآن بأنها عقوبة تأديبية وليست جنائية.
وإذا كانت المسئولية الجنائية قد انتفت في حق المتهم فإن ذلك لا يعفيه عن المسئولية المدنية على سند من القول بأن فعله تسبب في الإضرار بغيره فهو مسئول في ماله الخاص عن تعويض أي ضرر يصيب به غيره في ماله أو نفسه وكونه لم يبلغ الحلم عند ارتكاب الفعل لا يرفع عنه المسئولية المدنية كما يرفع المسئولية الجنائية لأن القاعدة العامة في الشريعة الإسلامية أن الدماء والأموال معصومة أي غير مباحة وأن الأعذار الشرعية لا تنافي هذه العصمة ولا تهدر الضمان ولا تسقطه ولو أسقطت العقوبة وعلى ذلك إذا تسبب الصغير في قتل أحد أو جرحه تلزمه الدية وفي حالة القتل العمد فإن القاعدة العامة أن الدية تجب في مال الجاني دون غيره ولكن الفقهاء اختلفوا فيمن يحمل الدية إذا كان الجاني صغيراً أو مجنوناً فرأي مالك وأبو حنيفة وأحمد أن الدية الواجبة عليه تحملها العاقلة ولو تعمد الفعل لأنهم يرون أن عمد الصغير والمجنون خطأ لا عمد إذ لا يمكن أن يكون لهما قصد صحيح فالحق عمدهما بالخطأ . وفي مذهب الشافعي رأيان أحدهما يتفق مع هذا الرأي وهو المرجوح والراجح في المذهب يرى أن عمد الصغير والمجنون عمد وعلى هذا تجب الدية في مالهما . (( يراجع كتاب التشريع الجنائي ج1 ص 672 )).
ونجد أن القانون الجنائي لسنة 1991م ينص بالمادة 43(د) منه على أن المحكمة تحكم بالدية في القتل والجراح التي تسبب فيها غير البالغ أو فاقد التمييز ولم تميز هذه الفقرة بين العمد أو شبه العمد أو الخطأ في حالة ارتكاب الفعل بوساطة الصغير مع أنه وفقاً للفقرة (أ) من ذات المادة أن المحكمة لا تحكم ابتداء بالدية في العمد من القتل والجراح بل الحكم الأصلي هو القصاص فإذا سقط القصاص كان الحكم بالدية ووفقاً للفقرة (ب) و (ج) من ذات المادة فإن الحكم ابتداءً يكون بالدية في حالة شبه العمد والخطأ من القتل والجراح وهذا يعني بوضوح أن القانون اخذ برأي الجمهور من الفقهاء القائل بوجوب الدية في فعل الصغير ولو كان عمداً بحجة أن عمده خطأ.
ووفقاً للمادة 45(2) من القانون الجنائي فإن الدية تجب على الجاني والعاقلة في جرائم شبه العمد أو الخطأ من القتل أو الجراح وبما أنه قد تقرر أن عمد الصغير خطأ فهذا يعني أن الدية تجب في ماله إذا كان له مال وتجب على عاقلته أيضاً . وعليه فإن ما قضت به محكمة الموضوع من إلزام للمتهم وعاقلته بالدية الكاملة لأولياء دم المرحوم جاء متفقاً والقانون ويجد منا التأييد وكذلك الأمر بتحصيلها بالطريق المدني وفقاً لنص المادة 45(5) من ذات القانون غير أن أمرها ببقاء المتهم بالحراسة لحين تحصيل الدية لم يكن له ما يبرره إذ كان عليها أن تفسح المجال لتحصيلها بالطريقة التي بينتها.
بقيت مسألة لا بد من التعرض إليها وهي أنه بموجب قانون الطفل لسنة 2004م فإن المحكمة المختصة بنظر قضايا الأطفال والفصل فيها هي محكمة الطفل المنشأة وفقاً لنص المادة (54) منه بل إن المحكمة الجنائية العادية يجب عليها عدم إصدار أي عقوبة أو تدبير على الطفل إذا كان مداناً ويلزمها في هذه الحال إرسال المحضر إلى محكمة الأطفال المختصة لتقرر ما تراه مناسباً بشأنه وهذا وفقاً لنص المادة 58(1) من قانون الطفل لسنة 2004م ولا تختص محكمة الطفل بالفصل في القضية إذا اشترك في الفعل الواحد أطفال وبالغون بل تتم المحاكمة في هذه الحالة أمام المحكمة الجنائية العادية وفقاً لنص المادة 57(9) من ذات القانون ويجب على المحكمة الجنائية العادية بعد الفراغ من الإجراءات أمامها إذا رأت إدانة الطفل أن تحيل الأوراق إلى محكمة الطفل لاتخاذ ما تراه مناسباً بشأنه - وفقاً لنص المادة 58(1) من ذات القانون . ويمكن أن يستدل مما ذكر على عدم اختصاص محكمة الطفل بالفصل في الدعوى إذا ارتكب الطفل الفعل المخالف للقانون ولم يقدم إلى المحاكمة إلا بعد تجاوزه مرحلة الطفولة كأن يرتكب الفعل وهو طفل ولا يتم اكتشافه إلا بعد بلوغه أو أن تكون محاكمته قد بدأت وهو طفل ولم يتم الفصل فيها إلا بعد البلوغ فلا تكون محكمة الطفل مختصة إلا إذا كان المتهم الماثل أمامها طفلاً وفي غير ذلك يتعين محاكمته أمام المحكمة الجنائية العادية مستفيداً من ظروف ارتكاب الجريمة حالة كونه طفلاً.
وبتنزيل هذا الفهم على الواقع نجد أن المتهم في الدعوى الجنائية المطروحة تجاوز الآن مرحلة الطفولة وزاد عمره عن الثمانية عشر عاماً استناداً إلى انه عندما تم عرضه على اللجنة الطبية للتحقيق في بلوغه في 31/3/2009م كان عمره أكثر من سبعة عشر عاماً حسبما جاء بأقوال الشاهد يوسف الجزولي أخصائي طب الأسنان وعليه فإنه يلزم أن تتم محاكمته أمام المحكمة الجنائية العادية وليس محكمة الطفل.
وأيضاً يلاحظ أن المحكمة الابتدائية عند فصلها في الدعوى ذكرت أنها وجدت الطفل إ. هـ. ي. ارتكب الفعل تحت المادة (130) من القانون الجنائي لسنة 1991م ولم تشر إلى أنها أدانته بذلك وهذا اتجاه محمود صحيح لأنه لا يتصور الحكم بالإدانة في مواجهة شخص غير مسئول جنائياً عن فعله بل يكتفي ببيان أن فعله مخالف لنص المادة من القانون . ولذلك فإن محكمة الاستئناف أخطأت عندما ذكرت في ذيل حكمها أنها تؤيد الإدانة بموجب المادة 130(2) من القانون حيث انه لا يوجد قرار بالإدانة حتى يتم تأييده ثم أن القول بالإدانة تحت المادة 130(2) من القانون الجنائي يستوجب توقيع عقوبة الإعدام حسبما هو منصوص بالفقرة (2) وهو أيضاً خطأ وقعت فيه محكمة الاستئناف . أما تأييدها للحكم بالدية مع إلغاء قرار الحبس لحين استيفائها فهو حكم صحيح يلزم تأييده وكذلك أمرها بإعادة الأوراق إلى محكمة الموضوع لتطبيق التدابير وفقاً لنص المادة (47) من القانون الجنائي.
وعليه أرى إذا وافق الزميلان أن يكـون امـرنا النهائي على الوجه الآتـي:
1- يلغي حكم محكمة الاستئناف القاضي بتأييد الإدانة تحت المادة (130) من القانون الجنائي ويستعاد حكم محكمة الموضوع القاضي باعتبار المتهم مرتكباً للفعل بالمخالفة لنص المادة 130(1) من القانون الجنائي لسنة 1991م.
2- يؤيد حكم محكمة الاستئناف فيما يختص بتأييد الحكم بالدية الكاملة على المتهم وعاقلته وطريقة تحصيلها وفقاً لنص المادة 45(5) من ذات القانون وتأييد حكمها القاضي بإلغاء حبس المتهم لحين تحصيل الدية.
3- يؤيد حكم المحكمة الابتدائية بجلد المتهم عشرين جلدة بالسوط على سبيل التأديب ويخلى سبيله بعد تنفيذ الجلد.
القاضي: إبراهيم محمد المكي
التاريخ: 12/4/2010م
أوافق على ما انتهى إليه زميلي العالم سلمان في حكمه الضافي تسبيباً ونتيجة والذي لم يترك فيه مزيداً لمستزيد.
القاضي: إبراهيم محمد حمدان
التاريخ: 13/4/2010م
أوافق.
الأمر النهائي:
1- يلغي حكم محكمة الاستئناف القاضي بتأييد الإدانة تحت المادة 130(2) من القانون الجنائي لسنة 1991م.
2- يستعاد حكم محكمة الموضوع القاضي باعتبار المتهم مرتكباً للفعل بالمخالفة لنص المادة 130(1) من القانون الجنائي لسنة 1991م.
3- يؤيد حكم محكمة الاستئناف فيما يختص بتأييد الحكم بالدية الكاملة على المتهم وعاقلته وطريقة تحصيلها وفقاً لنص المادة 45(5) من ذات القانون ويؤيد حكمها الذي قضى بإلغاء حبس المتهم لحين تحصيل الدية.
4- يؤيد حكم المحكمة الابتدائية القاضي بجلد المتهم عشرين جلدة بالسوط على سبيل التأديب ويخلى سبيله بعد تنفيذ الجلد.
سلمـان عثمان يوسـف
قاضي المحكمة العليا
ورئيس الدائرة
14/4/2010م

