حكومة السودان //ضد// خ ف ا إ
نمرة القضية: م ع/ غ إ/إعدام/60/2006م
المحكمة: المحكمة العليا
العدد: 2007
المبادئ:
· القانون الجنائي لسنة 1991م - أيمان اللعان - اتهام الزوجة بالزنا استناداً إلى الحمل
· سكوت الزوج عن الحمل بعد علمه به - أثره -
· بيان المحكمة معنى اللعان والنكول للمتهمة - حكمه - أثر النكـول مع جهل الزوجة لمعناه - لعان الزوج لنفي الحمل
سكوت الزوج عن نفي الحمل بعد علمه به يعد إقراراً ضمنياً منه بالحمل
ما لم تبين المحكمة للزوجة معنى إيمان اللعان وما يترتب عليها وعلى النكول منها فلا يعتد بدلالة نكولها لإثبات حد الزنا
يشترط لإيجاد اللعان لنفي الحمل أن يكون إدعاء الزوج منصباً على حدوث الحمل بعد وطئه المتهمة والاستبراء منه
الحكم:
القضاة:
سعادة السيد / محمــد حمــد أبـوسـن نائب رئيس القضاء رئيساً
سعادة السيد/ عبدالرحمن محمد عبدالرحمن شرفي قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد/ محمـد إبراهيم محمـد حامـد قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد/ دإبراهيـم أحمــد عثمـان قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد/ جعفـر صـالح محمـد أحمـد قاضي المحكمة العليا عضواً
القاضي: عبد الرحمن محمد عبد الرحمن شرفي
التاريخ: 2/10/2006م
بتاريخ 11/2/2006م أصدرت محكمة الجنايات العامة بلقاوة - جنوب كردفان - حكمها بإدانة المتهمة خ0 ف0 ا0 إ0 بجريمة زنا المحصن الحدية بموجب المادة 146(1) (أ) من القانون الجنائي لسنة 1991م وقضت بمعاقبتها بالإعدام رجماً حتى الموت حّداً وبإرسال الأوراق إلى المحكمة العليا للتأييد وفقاً لأحكام المادة (181) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م وبأن تبقى المدانة بالحبس لحين تأييد الحكم
كان ذلك بناءً على وقائع الدعوى التي تتلخص في أنه بتاريخ 16/7/2005م تقدّم المشتكي ع0 ب0 ا0 بشكوى مفادها أن زوجته المتهمة المذكورة قد حملت سفاحاً بعد أن تركها لدى أهلها وسافر إلى الخرطوم في مأمورية في شهر يناير سنة 2005م وعند عودته منها في 16/5/2005م وجدها حاملاً في شهرها السادس وبأنه لم يتصل بها جنسياً منذ 10/9/2004م وبأن هذا الحمل من رجل أجنبي عنها وبعد أخذ أقوال المتهمة التي ذكرت بأن الشاكي زوجها قـد أتصل بها جنسياً في ديسمبر 2004م وبأنها ولدت منه في 21/10/2005م وبأن الحمل من زوجها المشتكي الذي تقدم بتلك الشكوى للمكايدة أثر خلافات زوجية وبأنه من قبل سبق أن اتهمها عند ولادة طفلها الأول الذي استقر في بطنها تسعة أشهر وخمسة عشر يوماً وبعد إجراء التحقيقات اللازمة قامت محكمة الموضوع بتوجيه أيمان اللعان إلى طرفي الدعوى فحلفها الزوج كما استحلف ونكلت فأصدرت محكمة الموضوع حكمها المذكور -
فتقدمت المحكوم عليها طاعنةً لدى محكمة استئناف غرب كردفان فأصدرت حكمها في 2/3/2006م بتأييد الحكم الصادر من محكمة الموضوع وبرفع الأوراق إلى المحكمة العليا دائرة التأييد - فرفعت إلينا الأوراق بالمحكمة العليا للنظر في مدى إمكان تأييد الحكم أو عدمه -
الأسباب
الحكم المرفوع للتأييد – أو عدمه- قد استوفي شرائط المادة (181) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م من حيث نوع العقوبة المحكوم بها ومن حيث نهائيتها -
وفـي موضوعه فقـد خلصت دراستنا للأوراق والأقوال والأدلـة إلـى ما يلي :-
أولاً: الثابت بإقرارات الطرفين - الزوج المشتكي والزوجة المتهمة - أن هناك حملاً قد حدث للمتهمة في ظل فراش زوجية صحيحة وبأن تاريخ افتراقهما عن بعضهما بسبب سفر الزوج المشتكي كان في 28/12/2004م حسب قوله وفي 2/1/2005م حسب قولها وليس ثمة تدليل لأىٍ من القولين بأية بينة يعتد بها - وكان آخر " اتصال جنسي " بينهما في 10/9/2004م حسب أحد قوليه وكان في شهر أكتوبر 2004م حسب قوله الثاني - حيث تضاربت أقواله في هذا الشأن - راجع صفحة 1 من محضر التحري ووفقاً لقولها فإن آخر اتصال جنسي بينهما كان في ديسمبر في 28/12/2004م- والثابت أن التقرير الطبي = مستند اتهام رقم (1) قد أثبت وجود الحمل غير أنه ذكر عدم إمكانية تحديد عمر الجنين إلاَّ عن طريق الموجات فـوق الصوتية والثابت أن الزوج المشتكي قد سافر إلى الخرطوم في تاريخ افتراقهما وعاد منها في 16/5/2005م وفقاً لإقراراتــه ( راجع صفحة (1) من محضر التحري وصفحة (4) من محضر المحاكمة -) وقد تقدم بشكواه في 16/7/2005م - وفي ظل هذه الوقائع الثابتة نطرح السؤال الجوهري : هل صادفت محكمة الموضوع الصواب - ومن بعدها محكمة الاستئناف - فيما خلصتا إليه من تقريـر توجيه أيمان اللعان إلى طرفي هـذه الدعوى الجنائية - المشتكي والمتهمة - ؟ وهل توجـه أيمان اللعان عند نفى الحمل من غير قيود أم أن توجيه تلك الأيمان مشروط بشرائط يلزم توفرها ؟
ونجيب بأن إيجاب أيمان اللعان عند نفي الحمل ليس أمراً خلواً من كل قيد – على نحو ما حسبته محكمة الموضوع ومن بعدها محكمة الاستئناف - بل هناك قيـود عديدة تحتف بالملاعنة بحيث لا وجه للمصير إليها من غير توفرها وتتصل بعض تلك القيود بالوقت وبعضها بحال الزوجين من جهة الوطء وبعضها بالصيغة وبعضها بدور القاضي خلال إجراءات الملاعنة أمام المحكمة وبعضها بشرائط عامة تفتقر إليها الملاعنة
وقد أثار منا الدهشة أن محكمة الموضوع – ومـن بعدها محكمة الاستئناف - قد اختزلتا كل تلك القيود بما أخل بمعني الاستقصاء القضائي أيما إخلال حيث إنهما قد تسورتا من فوق كل تلك القيود إلى تقرير الملاعنة بعجلةٍ لا تتناسب مع حكم قضائي بالغ الخطورة توصلتا إلى تقرير عقوبة الإعدام رجماً بالحجارة حدّاً -
وفي ظل وقائع هذه الدعوى الجنائية وإجراءاتها التي اتبعتها المحاكم الأدنى = محكمة الموضوع ومن بعدها الاستئناف = نناقش القيود الآنفة الذكر التي يلزم توفرها لتقرير الملاعنة عند نفى الحمل - حتى نستبين مدى إخلال المحاكم الأدنى بمعني الاستقصاء القضائي
فبشأن القيـد المتعلق بالوقت والذي تسوغ معه الملاعنة بسبب نفى الحمل فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى عدم جواز نفى الحمل الذي هو موجب ولازم الملاعنة في هذه الدعوى وأمثالها - إذا كان الزوج قد سكت بعد ظهور حمل زوجته -وعلمه به- لأن علم الزوج بالحمل يعدّ إقراراً ضمنياً به فلا يجوز له نفيه بعدئذ - ويلزم من عدم جواز نفى الحمل عدم جواز المصير إلى الملاعنة جاء في ( الجامع لأحكام القرآن ) ما نصه :-
"000 إذا ظهر بامـرأته حمل فترك أن ينفيه لم يكن له نفيه بعد سكوته 000 000 لأن سكوته بعد العلم به يعدّ رضى به كما لو أقر به ثم ينفيه فإنه لا يقبل منه "
(راجع الجامع لأحكام القرآن - للقرطبي - المجلد السادس ص 190 في تفسير آية الملاعنة من سورة النور) وبشأن بيان المدة التي لا يقبل بعدها النفي – بعد سكوته فيها - جاء بذات المرجع ما نصه : " وإذا أخرّ ذلك إلى أن وضعت وقال رجوت أن يكون ريحاً ينفش أو تسقط فأستريح من القذف فهل لنفيه بعد وضعه مدة ما فإذا تجاوزها لم يكن له ذلك ؟ فقد اختلف في ذلك فنحن نقول إذا لم يكن له عذر في سكوته حتى مضت ثلاثة أيام فهو راض به ليس له نفيه وبهذا قال الشافعي وقال أيضاً: متى أمكنه نفيه على ما جرت به العادة من تمكنه من الحاكم فلم يفعل لم يكن له نفيه مـن بعد ذلك وقال أبو حنيفة : لا أعتبر مدة وقال أبو يوسف ومحمد : يعتبر فيه أربعون يوماً مدة النفاس 000 000 وإنما جعلنا الحد ثلاثةً ؛ لأنه أول حدّ الكثرة وآخر حدّ القلة 000" ( نفس المرجع ص190) - والخلاصة أنه ما يدخل من السكوت بعد العلم بالحمل في معنى الرضاء ضمناً - أوْقل الإقرار الضمني - لا يجوز بعده نفى الحمل ومن ثمًّ يلزم من ذلك عدم جـواز المصير إلى الملاعنة ومدة الثلاثة الأيام – أو المدة التي يمكن فيها المثول أمام جهات التداعي المختصة هي المدة التي يصار إليها في حالتي نفى الحمل –أو الولد– سواء كان النفي قبل الوضع أو كان عند التأخير لما بعد الوضع للعلة التي تسوغ التأخير على النحو المشروح آنفاً - وفي ظل الثابت هذه الدعوى من أن عودة الزوج المشتكي إلى زوجته من سفره 16/5/2005م وأنه وجدها حاملاً في شهرها السادس وأنه رغم علمه بذلك سكت عن التداعي فلم يقدم شكواه إلاّ في 16/7/2005م فإنه والحال هذا يكون حقه قد سقط في نفى الحمل - ؛ إذ يعتبر سكوته لشهرين كاملين رضاءً ضمناً وقرينة بأن الحمل منه ولا يقبل منه نفيه بعدئذٍ -
ونشير هنا إلى ضرورة التنبه إلى بعض الدقائق الفقهية بشأن قول القائلين بتخصيص تحديد مدة السكوت بحالة النفي بعد وضع الحمل - لا حال بقاء الحمل ( راجع المغني لابن قدامة ج 11ص163 طبعة هجر سنة 1992م) فذلك القول مختص بحكم نفي النسب وليس بحكم إيجاب حدّ الزنا بمعني أن أولئك الفقهاء يشترطون أن يكون النفي بعد الولادة عندما يكون الأمر متعلقاً بالنسب لأن بالولادة – لا بمجرد الحمل- يتحقق الضرر الذي يلم بنسبة الولد غير الشرعي فقد لا تتم الولادة ولا ضرر عندئذٍ أما في حالة جعل النفي سبباً للملاعنة لإثبات الزنا وإيجاب الحدّ فلا فرق بين النفي حال الحمل والنفي بعد وضع الحمل إذ يأخذان ذات الحكم بشأن الاعتداد بمدة السكوت التي تكون قرينة على الرضاء وسبباً مسقطاً لحق النفي ودارئاً للعقاب -
وأما القيد الذي يتعلق بحال الزوجين من جهة الوطء واستبراء الرحم فيشترط لإيجاب اللعان عند نفي الحمل أن يكون ادعاء الزوج منصباً على حدوث الحمل رغم عدم الوطء والاستبراء بعده فإن أغفل الزوج ذلك لم يحق له النفي ولا التلاعن قال القرطبي :" إذا نفى الحمل فإنه يلتعن لأنه أقوى من الرؤية ولا بدّ من ذكر عدم الوطء والاستبراء بعده واختلف علماؤنا في الاستبراء فقال المغيرة ومالك في أحد قوليهما: يجزيء في ذلك حيضة وقال مالك أيضاً: لا ينفيه إلا بثلاث حيضٍ والصحيح الأول " ( راجع الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - المجلد السادس ص185/186 تفسير آية اللعان من سورة النور) وبمراجعة أوراق هذه الدعوى الجنائية يتبيّن لنا خلو دعوى الزوج المشتكي من هذا القيد فهو وإن أدعى أنه بعد سفره لم يطأ زوجته المتهمة إلاَّ أنه لم يذكر -من قريب أو بعيد- أنه تركها وسافر عنها من غير وطء بعد الاستبراء بل إن الزوجة المتهمة قد أصرت بأنه تركها بعد آخر وطأة في ديسمبر سنة 2004م وتحديداً في 28/12/2004م وقد ذكرت صراحةً بأنها بعد تلك الوطأة لم تر دورتها الشهرية - بمعني أنها حملت من تلك الوطأة ( راجع صفحة 2 من محضر التحري ) وفي ظل ما ذكر تكون محكمة الموضوع - ومن بعدها محكمة -الاستئناف- قد أغفلتا أمراً جوهرياً تنهدم معه الدعوى الجنائية محل النظر -
وهنالك القصور الذي صاحب إجراءات محكمة الموضوع بشأن الصيغة التي تتم بها الملاعنة بسبب نفى الحمل ؛ إذ يلزم على القاضي أن يقول للملاعن أن يدلى بالصيغة التالية: " أشهد بالله لقد استبرأتها وما وطئتها بعد ذلك وما هذا الحمل منـى " ويشير إليه فيحلف بذلك أربع مرات ويقول في كل يمين منها :- (وإنني لمن الصادقين في قولي هذا عليها) ثم يقول فـي الخامسة (علىَّ لعنة الله إن كنت من الكاذبين) وإن شاء قال ( إن كنت كاذباً فيما ذكرت عنها) – راجع الجامع لأحكام القرآن للقرطبي نفس المجلد السابق صفحة 192)- وقد جانبت محكمة الموضوع الصواب حين صاغت أيمان اللعان بنفي الحمل بما نصه : " والله العظيم أقول الحق ولا شيء غير الحق أنى صادق فيما رميت به زوجتي خ0 ف0 ا0 إ0 من أن حملها ليس منى " حيث ذكر الشاكي ذلك أربع مرات وفي الخامسة ( أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين – راجع صفحة 11من محضر المحاكمة) وبالطبع فقد جاءت تلك الصيغة بغير ما يجب بها الحلف إذ أغفلت محكمة الموضوع (عدم الوطء بعد الاستبراء) والبقاء من غير وطء بعد ذلك الاستبراء إلى حين حدوث الحمل المدعي به – سفاحاً- وحيث إنه جاء التحليف خلواً من ذلك القيد الجوهري فلا عبرة بشيءٍ مما حلف به المشتكي خاصةً وأنه قد مكث مع زوجته المتهمة شهرين كاملين بعد عودته من سفره قبل أن يتقدّم بشكواه بنفي الحمل وقد يكون وطئها خلال تلك المدة - وتلك أيضاً قرينة على الرضاء لم تستبن منها محكمة الموضوع - ومن ثم فلا مجال لأيمان اللعان في دعوى أغفلت كل تلك القيود الجوهرية وحيث انتفت موجبات التلاعن وانتفى كل دليل آخر يثبت ادعاء المشتكي فلا يبقى سوى استصحاب قرينة البراءة الأصلية الثابتة في حق المتهمة المذكورة -
لقد اختزلت محكمة الموضوع إجراءات التحقيق في هذه الدعوى ذات الخطورة البالغة فبجانب ما ذكر فإنها بعد تحليف الزوج المشتكي أربعاً فقد أغفلت تحذير الزوج ووعظه إذ يقال له في ذاك المقام :( نخاف إن لم تكن صدقت أن تبوء بلعنة الله ) فإن لم يبال وأراد أن يمضي لاستكمال الصيغة يأمر القاضي من يضع يده على فمه ويقول له :( إن قولك : (وعلىّ لعنة الله إن كنت من الكاذبين) موجباً - أي سيكون موجباً فإن أبى تركه يقولها - كذا فيما رواه أبو داؤد عن ابن عباس عن رسول الله صلي الله عليه وسلم (راجع الجامع لأحكام القرآن - للقرطبي ص192 من ذات المجلد السابق) ويتسق هذا الإجراء مع روح الشرع الحنيف المتمثل في الستر في أبواب الحدود وفي صون الأعراض من الابتذال -
وقد شاب إجراءات محكمة الموضوع في تحليف أيمان اللعان قصور في جوانب أخرى عديدة تتصل ببعض مستحبات الزمان والمكان وبحضور جمع من الناس –أربعة فصاعداً- تحقيقاَ لإيجابيات البعد النفسي وبدلاً من العنايـة بتلك التفاصيل فقد عجلت محكمة الموضوع – بخلاف ما يقتضيه المقام - حيث إنها قد استحلفت الزوج المشتكي ثم وجهت الأيمان للمتهمة دون أن تبيَّن لها معنى أيمان اللعان وما يترتب عليها وعلى النكول عنها علماً بأن آثار النكول عن أيمان اللعان مما تخفى على الخاصة من أهل العلم فما بالك بمثل المتهمة التي لا إلمام لها بمجرد القراءة والكتابة –كما هو ثابت بالمحضر- وطبيعي أنه لا يعتد بدلالة النكول فـي حقها -خاصة لإثبات الحدّ- لما روى عن سيدنا عمر -وعن سيدنا على- رضي الله عنهما أنه :(لا حدَّ إلاَّ على من علمه) راجع المغنى لابن قدامة جزء12 صفحة345 طبعة هجر 1992م) ورواه البيهقي في السنن الكبرى في كتاب الحدود بأن ما جاء في درء الحدود بالشبهات ويدخل في معني العلم هنا: العلم بالحرمة والعلم بموجبات الحدّ - ومن نافلة القول : نشير بأن ( العلم ) هو العنصر الأساسي للركن المعنوي ثم يليه عنصر ( الإرادة) -
ورغم كثرة ملاحظاتنا في إجراءات محكمة الموضوع إلاَّ أننا نقتصر هنا بذكر اثنتين أخريين
أولاهما: تهاتر كلام الشاكي -الزوج- بشأن تاريخ آخر اتصال جنسي بزوجته ؛ إذ ذكر ابتداءً بأنه كان في أكتوبر سنة 2004م ثم ذكر بأنه كان في 10/9/2004م - فتهاترا -
وثانيتهما: أن محكمة الموضوع قد قلبت (عبء الإثبات) حين كلفت المتهمة بإثبات أن الشاكي اختلى بها لآخر مرة في ديسمبر سنة 2004م وفي ظل المساكنة الثابتة بإقرارهما فالظاهر هو حدوث الخلوة -بل والاتصال الجنسي– إلى حين افتراقهما في 28/12/2004م -وهو التاريخ الجامع بين قوليهما بشأن الافتراق- ويقع عبء الإثبات على من يدعي خلاف الظاهر وهو هنا الزوج المشتكي الذي يدعي عدم الخلوة وعدم الاتصال الجنسي منذ 10/9/2004م هذا فضلاً عن أن منهج محكمة الموضوع هنا قد تنافي مع منهج الإثبات الجنائي-
وختاماً فإن لنا مقالاً إلى القائمين بأمر التشريع في بلادنا : لقد آن الأوان لتقنين أحكام الحدود الشرعية وفقاً لما يتسق مع روح الشرع الحنيف في العفو وفي الستر ووفقاً لمنهج الشريعـة الإسلامية في تضييق دائرة الحدود الشرعية فالشريعة الإسلامية حين أكثرت من قيود إيجاب الحدود ثم شدّدت في إثباتها وأكثرت من الشبهات الدارئة لها ومن مسقطاتها فإنها قصدت تضييق دائرتها وكما قال الكمال بن الهمام في مثل هذا المقام (الشيء كلما كثرت قيوده قلّ وجوده) (راجع شرح فتح القدير ج 5 ص 5 ) وصدوراً عن هذا المنهج فالمأمول هو إعادة صياغة مواد أحكام الحدود الشرعية بما يتسق مع ما ذكر ومن بعض مقتضيات المنهج المأمول النأي بالتشريع عن إثبات الحدود الشرعية بالقرائن على نحو ما في المادة 62(ج) والمادة (64) من قانون الإثبات لسنة 1993م وكذا عدم المصير إلى إيجاب حدّ الزنا بنكول الزوجة عن أيمان اللعان –بعد حلف زوجها أيمان اللعان- على نحو ما هو مقــرر وفقاً للمادة 62(و) من قانون الإثبات لسنة 1993م- ونحسب ملاءمة الآخذ برأي الحسن والأوزاعي وأصحاب الرأي والحنابلة ؛ إذ لا يحصل التحقق من زنا الزوجة بالنكول عن أيمان اللعان قال ابن قدامة في المغني : " 000ولنا أنه لم يتحقق من زناها -باللعان- فلا يجب عليها الحدّ كما لو لم يلاعن ودليل ذلك أن تحقق زناها لا يخلو إما أن يكون بلعان الزوج أو بنكولها أو بهما ولا يجوز أن يكون بلعان الزوج وحده لأنه لو ثبت زناها به ما سُمع لعانها ولا وجب الحد على قاذفها ولأنه إما يمين وإما شهادة وكلاهما لا يثبت له الحق علـى غيره ولا يجوز أن يثبت بنكولها لأن الحد لا يثبت بالنكول فإنه يدرأ بالشبهات فلا يثبت بها وذلك لأن النكول يحتمل أن يكون لشدّة خفرها أو لعقلةٍ على لسانها أو غير ذلك فلا يجوز إثبات الحدَّ الذي اعتبر في بينته من العدد ضعف ما اعتبر في سائر الحدود واعتبر في حقهم أن يصفوا صورة الفعل وأن يصرحوا بلفظه وغير ذلك مبالغة في نفي الشبهات عنه وتوسلاً إلى إسقاطه ولا يجوز أن يقضي فيه بالنكول الذي هو في نفسه شبهة ولا يقضي به في شيء من الحدود ولا العقوبات 000 000 000 وقد يرجح ما ذكرناه بقول عمر رضي الله عنه (إن الحد علـى من زنى وقد أحصن إذا كانت بينة أو كان الحمل أو الاعتراف) فذكر موجبات الحدّ ولم يذكر اللعان 000" ( راجع المغنى لابن قدامة ج 11ص 188/189) وإلى حين أن يأتي الفتح على القائمين بشأن التشريع = بأمر من عنده سبحانه وتعالى = فليس في وسع القضاة سوى العمل بالتشريع الساري -
وخلاصة الأمر: فإن هذه الدعوى الجنائية قد قامت على غير أساس ولا وجه فيها للملاعنة وهي عارية عن كل سببٍ للتداعي ومن أي دليل فإن وافقني الزملاء الأجلاء بالدائرة الجنائية فإنني أرى إلغاء الحكم الصادر بإدانة المتهمة خ0 ف0 ا0 إ0 بجريمة زنا المحصن الحدية بموجب المادة 146(1)(ا) من القانون الجنائي لسنة 1991م وإلغاء العقوبة المحكومة بها في حقها والتي قضت بالإعدام رجماً حتى الموت حدّاً ونرى إصدار حكمنا بتبرئتها من تهمة زنا المحصن المنسوبة إليها والأمر بالإفراج عنها فوراً ما لم تكن محبوسة في ذمة قضية أخرى -
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
القاضي: محمد إبراهيم محمد
التاريخ: 24/10/2006م
الشيخ الأستاذ العلامة عبد الرحمن محمد عبد الرحمن شرفي استفاض فأجاد وأفاد ومنهجه هذا الذي نؤيده فيه يقوم على الاستقصاء ثم على تعليم الاخوة القضاة في الدرجات الأدنى ليتدربوا على منهج الاستقصاء والإطلاع على المراجع الأصلية
وخلاصة رأيي هو: أن الحدود يتعبد بها أكثر من تنفيذها لأنها تقوم على الدرء والإسقاط وهنالك أربع حالات لا ينفذ الحـد إلا في حالة واحدة وشرح ذلك :
الحالة الأولى: أن تقع الجريمة الحدية ناقصة الأركان ففي هذه الحالة لا مكانة لإقامة الحد
الحالة الثانية: أن تقع الجريمة كاملة الأركان لكن هنالك خلل في الإثبات فإنه يشترط في إثبات جرائم الحدود أن تثبت ثبوتاً يقينياً وكما حدد الشرع جرائم الحدود وحصرها فقد حدد وحصر وسائل إثباتها وهي الشهادة والإقرار بإجماع الفقهاء واشترط في الشهادة ما لم يشرطه في بقية الجرائم القصاصية أو التعزيرية وفي الإقرار اشترط التكرار انظر:-
1- الكاساني ج 7 ص 82 2- الدردير 4/318 3- الأم 6/119 4- المغني 8/191 5- المحلى 11/180
الحالة الثالثة: هي أن تقع الجريمة كاملة الأركان وتثبت ثبوتاً يقينياً ولكن تقوم شبهة دارئة لهذا الحد ومن خصائص الحدود أنها تقوم على الدرء والإسقاط وقد ثبت هذا المبدأ بالسنة الصحيحة في حديث ماعز والغامدية وقد أخذ به جمهور الفقهاء ولم يخالف سوى ابن حزم من الظاهرية المحلى ج 11ص153 ويا لروعة ما قاله سلطان العلماء العز بن عبد السلام رحمه الله " إنما غلب درء الحدود مع تغلب الشبهة لأن المصلحة العظمى في استيفاء الإنسان لعبادة الديان والحدود أسباب محظرة فلا تثبت إلا عند كمال المفسدة وتمحصها "
أنظر :- قواعد الأحكام في مصالح الأنام ج 2 ص161
والحالة الرابعة: أن تقع الجريمة الحدية كاملة الأركان يقينية الإثبات ولم توجد شبهة دارئة للحد فيقام الحد حقاً لله تعالى
فتأمل رحمة الله تعالي في تشريعه0
مدخلنا في هذه القضية هو:
أولاً: عدم اكتمال الشروط لإقامة الحد عند الملاعنة وقد فصل ذلك مولانا شرفي
ثانياً: شبهة الجهل : وهذه شبهة كبيرة لا بد من التعرض لها في هذا الزمان الذي كثر فيه الجهل بأحكام الدين عامة وبأحكام الحدود خاصة
والجهل لغـة ضد العلم وفـي الاصطلاح هو: عدم العلم عما من شأنه العلم
والجهل بالنسبة للمسئولية الجنائية أنواع : جهل لا يصلح عذراً وآخر يصلح عذراً
والقاعدة العامة في الشريعة الإسلامية أن الإنسان لا يؤاخذ على الفعل المحرم إلا إذا كان عالماً بتحريمه ولم تشترط الشريعة تحقق العلم فعلاً بل اشترطت إمكان العلم فقط والقاعدة في الفقه الإسلامي أن كل من جهل تحريم شيء يشترك فيه غالب الناس لم يقبل عذره الجهل إلا إذا كان قريب عهد بالإسلام أو نشأ بمكان لم تصله أحكام الشريعة أي ما علم من الدين بالضرورة وشبهة الجهل تختلف باختلاف الزمان والمكان والمجتمع وأرى أن هذه المتهمة جاهلة بأحكام الملاعنة ولو كانت تدرى أو أعلمت لما نكلت فإن عمر رضي الله عنه في عهده وما زال الدين غضاً درأ الحد عن تلك التي قالت أنها زنت من غوش بدرهمين المهذب ج 2 ص 266/267 وذلك الشامي الذي يعلن أنه زنى البارحة: المهذب ج 2/ ص 266
وهنا أقول لاخوتي القضاة من الدرجات الأدنى أن أمر الحدود أمر دين وأنه يقوم على الدرء والإسقاط وأنه كما تعبدنا الله بإقامة الحد فنحن نعبده أيضاً بدرء الحد إن وجدت شبهة دارئة
والله ولى التوفيق وهو الهادي لإقامة شرعه الحنيف
القاضي: جعفر صالح محمد أحمد
التاريخ:
تتلخص الوقائع الجوهرية وبالقدر الذي يمكنني من إبداء الرأي في شأن تأييد حكم الرجم الصادر بحق المدانة خ0 ف0 ا0 إ0 وفقاً لمقتضى المادة (18) من قانون الإجراءات الجنائية أن الشاكي في هذا البلاغ تقدم بعريضة لمحكمة لقاوة الجزئية دائرة الأحوال الشخصية موضوعها بلاغ زنا جاء فيها أن المشكو ضدها زوجته وما زالت في عصمته قد خرجت من منزل الزوجية بدون رضاه وعادت إليه وهي حبلى سفاحاً وكان ذلك بتاريخ 16/7/2005م وبعد فتح الدعوى والتحري أحيلت الأوراق لقاضي المحكمة الجنائية العامة الذي يقوم بممارسة سلطات وكيل النيابة في التحري والذي قام كمحكمة وليس كقاضي حسب التأشيرة بتوجيه تهمة للمتهمة تحت طائلة المادة (146) من القانون الجنائي وإحالة البلاغ للمحاكمة وقـد تولى ذات القاضي أمر المحاكمة وكانت البداية بسماع أقوال المتحري التي أشار فيها على ما تم على يديه من إجراءات لم تتعد سماعه لأقوال الشاكي والمتهمة وإحالة هذه الأخيرة للكشف الطبي وقد انتهى المتحري إلى القول بأن البينة ضعيفة ولا ترقي لتقديم المتهمة للمحاكمة وبعدها استمعت المحكمة للشاكي على اليمين ومن ثم قفلت قضية الاتهام وشرعت مباشرة في استجواب المتهمة التي أنكرت أن يكون الحمل من غير زوجها الشاكي وبعدها تم تحرير تهمة تحت طائلة المادة (146) من القانون الجنائي وبمخاطبة المتهمة بهذه التهمة ردت بأنها غير مذنبة وتحصنت بمطلق الإنكار وفي شأن دفاعها أفادت بأنها لا ترغب في إعادة استجواب شاهد الاتهام الذي هو الشاكي وليس لها شهود دفاع وبعد ذلك تم قفل قضية الدفاع والتأجيل لجلسة يوم 29/2/2006م وفي الجلسة المحددة أشارت المحكمة إلى أن الشاكي يدعي أن الحمل ليس منه وهذا يقتضي تطبيق المادة (60) مـن قانون الإثبات ويكون ذلك بتوجيه يمين اللعان وبعدها سألت كلاً من الشاكي والمتهمة عن حلف يمين اللعان فأجاب الشاكي بالإيجاب في حين أبدت الزوجة المتهمة عدم استعدادها للحلف مبررة هذا الامتناع بأن الشاكي اعتاد على مثل هذا الاتهام والذي يشير إليه المحضر في هذا الشأن والذي جاء تحت مسمي يمين اللعان أن الشاكي حلف بالقول والله العظيم أقول الحق ولا شيء غير الحق أني صادق فيما رميت به زوجتي من أن حملها ليس مني وبعد ذلك أشارت المحكمة مجرد إشارة دون أن يكون لذلك أي أثر في المحضر إلى أن الشاكي حلف أربع مرات على نفى الحمل والخامسة إن لعنة الله عليه أن كان من الكاذبين وعلى ذات النسق أشارت المحكمة إلى أن المتهمة رفضت حلف يمين اللعان على تكذيب زوجها ولا ندري إن كان هذا الرفض معنيُ ُ به ذلك الذي تم قبل حلف الزوج ليمين اللعان أم بعده 0 وبالطبع أن الأمر يختلف إذ أن الذي يعول عليه حلفها أو نكولها بعد حلفه وبعد ذلك أمرت المحكمة بقفل قضية الدفاع والتأجيل للقرار وكانت خاتمة مطاف هذه الإجراءات تقرير إدانة المتهمة تحت طائلة المادة 146(أ)(1) من القانون الجنائي وبعد إعداد مذكرة بالعقوبة بعد سماع الظروف المخففة والمشددة كان الحكم على المدانة بالإعدام رجماً حتى الموت مع الأمر بإرسال الأوراق للمحكمة العليا للتأييد على أن تبقى المدانة بالحبس لذلك الحين والملاحظ على ظاهر هذه الإجراءات دون الدخول في التفاصيل التي سيتم تناولها لاحقاً نجد أن لا جدوى من سماع الظروف المخففة والمشددة في شأن العقوبات الحدية ولا يكون لذلك وجه إلا في حال توفر ما يسقط العقوبة الحدية أو لأغراض تأجيل التنفيذ ومما يؤخذ على المحكمة إغفالها التحقق من وضع الحمل وإن تم ذلك فكم عمر الطفل وهل ما زال في سن الرضاعة وهذا ما يمكن إدراجه في باب الحالة الصحية للمحكوم عليها التي يجب أن تراعى عند التنفيذ وقبله من باب أولى كما في الحالة الماثلة
وباستئناف هذا الحكم من قبل المحكوم عليها انتهت محكمة استئناف غرب كردفان بموجب حكمها رقم ا س ج/58/2006م إلى تأييد الحكم المطعون فيه بكل مفرداته وعند وضع حكم الإعدام أمامنا للتأييد وفقاً لمقتضى المادة (181) من قانون الإجراءات الجنائية انتهى الأخ العالم مولانا عبد الرحمن شرفي إلى تقرير تبرئة ساحة المتهمة مع الأمر بإطلاق سراحها فوراً وهذا ما تبنته الأغلبية تسبيباً ونتيجة بعد المداولة وقطعاً لا خلاف حول ما طرح من علم وافر غزير ونقاش ثر من حيث النظر الموضوعي فيما يتعلق باللعان وما يمكن أن يترتب على ذلك من أثر ولكني أختلف مع النتيجة التي انتهت إليها هذه الإجراءات سواء أمام المحاكم الأدنى أو في مرحلة التأييد والواضح من خلال تتبعنا لمسار هذه الإجراءات على النحو الذي أشرنا إليه في صدر هذه المذكرة أنها لا يمكن أن تنتهي إلى تقرير الإدانة أو نقيضها وإنما الذي يلزم شطب الدعوى الجنائية نظراً لما شاب إجراءاتها من خلل وعيوب كان لها تأثيرها المباشر على سلامة الحكم وما انتهى إليه من نتيجة لا تتفق مع صحيح القانون والتطبيق السليم له وإن لم تكن الإدانة مع حلف الزوج لإيمان اللعان فإنه لا يمكن أن يصار أيضاً إلى البراءة مع نكول الزوجة عن هذه الأيمان والذي يدرأ عنها العذاب حلفها لا نكولها والمفارقة أن تقرير البراءة في ظل هذه الإجراءات وعلى هذا النحو لا يحسم النزاع من كل جوانبه فيبقي الاتهام بالزنا وما يقابله من اتهام بالقذف وإن لم يكن هذا فذاك وليس هنالك منطقة وسطي بين الجنة والنار وإن لم يكن نعيم البراءة فشقاء الإدانة وهذا يعني أن هنالك العديد من الأخطاء التي لازمت هذه الإجراءات وأن أياً منها له تأثيره على سلامة أي تدبير لا يبطل هذه الإجراءات وينتهي إلى شطب الدعوى الجنائية وبداية الخلل تكمن في كيفية التعامل مع دعوى الاتهام بالزنا ومدى تعلقها باللعان أو تعلق اللعان بها والذي نشير إليه لبيان هذا الخلل أن المحكمة ومن قبلها النيابة أغفلتا تماماً تعريف اللعان وشروط صحته وما يترتب عليه من آثار وكل هذا منصوص عليه في المواد (199) إلى (203) من قانون الأحوال الشخصية لسنة 1991م وتفصيل ذلك أن اللعان شهادات مخصوصة مؤكدة بالأيمان تجري بين الزوجين أمام القاضي مختومة باللعن من جهة الزوج وبالغضب من جانب الزوجـة والذي يشترط لصحة اللعان سبعة شروط : أولها: أن يكون الزوجان مكلفين غير محدودين في قذف ما لم يتوبا وثانياً: أن يكون عقد زواجهما صحيحاً قائماً حقيقة أو حكماً إذا كان اللعان بسبب القذف بالزنا وثالثاً: أن لا يكون للزوج بينة شرعية ورابعاً: أن يكون اللعان أمام القاضي وبإذنه والخامس : أن يكون الزوج القاذف بصيراً مدعياً مشاهدة زناها على أنه يجوز للأعمى اللعان بنفي الولد وسادساً: أن يلتزم المتلاعنان بالترتيب ولفظ وعدد الشهادات وأما الشرط السابع: أن تكون نسبة الولد المنفي ممكنة
وبتوافر هذه الشروط جميعها يكون اللعان صحيحاً والآثار التي تترتب على ذلك أن يفرق القاضي بين الزوجين بعد تمام اللعان ويقع التفريق لجهة هذا السبب بائناً وتجوز رجعة المتلاعنين بعد تطليقهما بعقـد ومهر جديدين إذا أكذب الزوج نفسه وأقيم عليه حد القذف وهذا يعني أن المحكمة لا يمكن لها ترتيب أي أثر إذا اختل أي شرط من هذه الشروط وفي مقابلة ذلك إذا نكل أحد الزوجين عن يمين اللعان فإن هذا النكول يكون سبباً لدعوى الاتهام بالزنا أو القذف بحسب الأحوال وبموجب هذا النكول يمكن أن يتم فتح الدعوى الجنائية وتوجيه التهمة من قبل النيابة كما يمكن أن يتم لاحقاً وفي مرحلة المحاكمة تقييمه كدليل وهذا الذي أشرنا إليه في مجمله وتفاصيله أن اللعان لا يكون إلا بطلب أمام القاضي وبإذنه وأن سببه أن يقذف الرجل زوجته بالزنا أو نفي الولد أو يقذفها بهما معاً فيرميها بالزنا ونفي الولد والذي نشير إليه بشأن السبب أن خيار المشرع التفرقة بين حال إبصار وعمى الزوج القاذف فالشرط إن كان بصيراً أن يدعي مشاهدة زناها وأما الأعمى فيجوز له اللعان بنفي الولد والملاعنة تكون بطلب من الزوج أو الزوجة والغرض من ذلك المسعى لإقامة حد الزنا أو القذف بحسب الأحوال وشرط ذلك أن يكون الزوج لا بينة له على قذف الزوجة بالزنا وعند توافر شروط صحة اللعان يأمر القاضي به وكيفية اللعان أن يبدأ الزوج أولاً ويقول قائماً أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به فلانة هذه من الزنا أو نفي الولد بحسب الأحوال ويكرر هذه أربع مرات ويقول في الخامسة وأن لعنة الله عليه أن كان من الكاذبين فيما رميتها به من زنا أو نفي الولد وإذا انتهى الزوج من ملاعنته أمر القاضي الزوجة هي الأخرى بملاعنته بأن تقول وهي قائمة أشهد بالله أنه لمن الكاذبين فيما رماني به من زنا وتكرر هذا أربع مرات ثم تقول في الخامسة وأن غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيما رماني به وبتوافر شـروط اللعان وتمام الملاعنة على النحو الذي أشرنا إليه فإنه يترتب على ذلك الفرقة بين الزوجين والتحريم المؤبد أو المؤقت ونفي الولد وعند هذا الحد تنتهي هذه الإجراءات وهذا لا يتم إلا في إطار دعوى شرعية قد تكون دعوى تطليق للعان أو مادة لعان والتحقق من توافر شروط اللعان يتم داخل مساحة هذا الإطار باعتبار أن الملاعنة هي الملاعنة لا تتجزأ إجراءاتها ولا تتقاطع نتائجها أياً كانت الآثار المترتبة عليها سواء تلك المتعلقة بشق الأحوال الشخصية أو الشق الجنائي وتظهر أهمية وحدة الإجراءات في أنه إذا لم يتوفر أي من شروط اللعان المنصوص عليها في المادة (200) من قانون الأحوال الشخصية وإذا لم يتوفر أي من هذه الشروط فلا يكون اللعان قد تم صحيحاً ولا يترتب على ذلك أي أثـر ويكون مآل الإجراءات إلى الشطب وأما في حال النكول عن يمين اللعان من أي من طرفيه فمن هنا يمكن أن ننتقل بهذه الإجراءات إلى الجانب الجنائي لأنه بهذا النكول يتوفر السبب لتحريك إجراءات الدعوى الجنائية أياً كان نوعها بحسب الأحوال قذفاً أو زناً ويقوم الدليل الذي يمكن النيابة ومن بعدها المحكمة الأولى في توجيه التهمة والثانية من تحريرها وهذا يعني أن الاتهام بالزنا أو القذف كأثر من الآثار المترتبة على اللعان يأتي لاحقاً للنكول وبسببه ونفي الولد كاتهام غير مباشر بالزنا شأنه شأن الاتهام به مباشرة مجرد ادعاء لا يقوم مقام النكول عن يمين اللعان كسبب لتحريك إجراءات الدعوى الجنائية ودليل عليها
وبتنزيل هذا النظر وتطبيقه على الواقع نجد أن هذا الحكم قد شابته العديد من الأخطاء الإجرائية التي كان لها تأثيرها المباشر على سلامته وما انتهى إليه من نتيجة وأن أياً من هذه العيوب كفيل بإلغاء الحكم وإبطال هذه الإجراءات وشطب الدعوى الجنائية ووجه ذلك أن تحريك إجراءات دعوى اتهام الزوج لزوجته بالزنا بسبب نفي الولد قائم على غير أساس ووفق إجراءات غير سليمة إذ أن هذا اتهام لم تسبقه ملاعنة تنتهي إلى نكول الزوجة عن يمين اللعان والنكول هذا كمحصلة ونتيجة يتوفر به السبب لتحريك إجراءات الدعوى الجنائية ويقوم به الدليل الذي يمكن النيابة من توجيه الاتهام ونفي الولد اتهام غير مباشر بالزنا وهو مجرد ادعاء وقد يكون سبباً لطلب الملاعنة إلا أنه لا يقوم مقام النكول ولا يكون سبباً لتحريك الدعوى الجنائية أو يستند عليه كدليل لتوجيه الاتهام وإزاء هذا لا يكون أمام النيابة إلا شطب دعوى الاتهام بالزنا إن لم تكن قد شطبت العريضة من قبل ويتضح أثر ذلك أنه لا يتأتى قيام دعوى الزنا في حال رفض طلب اللعان لعدم توافر أي من شروط صحته وبالانتقال إلى مرحلة المحاكمة نجد أن القاضي الذي تولى المحاكمة هو ذات القاضي الذي باشر سلطات وكيل النيابة في التحري وانتهى إلى توجيه التهمة تحت طائلة المادة (146) من القانون الجنائي رغم أن التحريات لم تشر إلى ما يوجب توجيه الاتهام وهذا وحده ودون الدخول في أية تفاصيل يكفي لإبطال هذه الإجراءات إذ أنه لا يجوز قانوناً وفقاً لمقتضى المادة (131) من قانون الإجراءات الجنائية للقاضي أن يتولى المحاكمة في أي دعوى جنائية يكون قد تحري فيها من قبل والتأثير السالب واضح إذ أن القاضي جاء بقناعته في التحري للمحاكمة ولو كان النظر أمام قاضٍ آخر لكان الأمر جد مختلف وحتى في المحاكمة توالى مسلسل الأخطاء ولم يكن هنالك من جديد إذ استمعت المحكمة إلى أقوال المتحري والشاكي على اليمين ومن ثم استجوبت المتهمة التي أنكرت الاتهام
وبالنظر في بينة الاتهام نجد أن أقوال المتحرى ليس فيها ما يفيد قضية الاتهام إذ أنها مجرد إفادة عما تم على يديه من إجراءات تتعلق باستجواب أطراف البلاغ وإحالة المتهمة للكشف الطبي وقد أشار المتحري بوضوح إلى أن البينة المتوفرة في مواجهة المتهمة ضعيفة ولا ترقى لتقديمها للمحاكمة وأما أقوال الشاكي فلا تعد شهادة بالمعني الدقيق للشهادة ولا يعول عليها في الإثبات ولا معنى لأدائها على اليمين ولكن يبدو أن المحاكم ما زالت أسيرة العهد القديم الذي تجاوزه التشريع وإذا أضفنا إلى ذلك إنكار المتهمة فلا تكون هنالك بينة يمكن أن تؤدي للإدانة ومقتضى هذا أن تشطب الدعوى الجنائية بموجب المادة 141(1) من قانون الإجراءات ورغماً عن ذلك قامت المحكمة بتحرير التهمة وبعدها اتجهت مباشرة إلى مخاطبة الزوجين بحلف يمين اللعان وقد حلفها الزوج وامتنعت عنها الزوجة للأسباب التي ساقتها وهذا الامتناع الذي اعتبرته المحكمة نكولاً عن يمين اللعان لا يمكن أن يعول عليه كدليل لأنه لم يكن هنالك تحقق من توافر شروط اللعان حتى على فرض تجاوز قانون الإجراءات الجنائية بالكامل وسلمنا بأن الملاعنة يمكن أن تتم بالكيفية التي تمت بها واللعان لا يمكن تمامه ولا يترتب عليه أي أثر شرعي أو جنائي إذا اختل أي شرط من شروط صحة اللعان وأن الأثر الوحيد الذي يمكن أن يترتب على هـذه الإجراءات هو شطبها وفي إطار النظر المتقدم إذا كان الحكم موضوع التأييد قد انتهى إلى ما يخالف هذا النظر فيكون قد انطوى على مخالفة القانون والخطأ في تطبيقه ومؤدى هذا إلغاء هذا الحكم وإبطال الإجراءات المترتبة عليه ويعد هذا بمثابة شطب للدعوى الجنائية والذي يستتبع هذا النظر الأمر بإطلاق سراح المتهمة فوراً ما لم تكن مطلوبة على ذمة أي أمر آخر
القاضي: د إبراهيم أحمد عثمان
التاريخ: 11/5/2007م
أتفق مع الأخوين الكريمين في الرأي الأول والثاني فيما ذهبا إليه
القاضي: محمد حمد أبوسن
التاريخ: 22/5/2007م
يرى مولانا جعفر صاحب الرأي الثالث أنه كان يتعين شطب الدعوى الجنائية بموجب المادة 141(1) من قانون الإجراءات الجنائية لعدم توفر البينة التي قد تؤدي لإدانة المتهمة ولكنه عاد ليتفق مع رأي الأغلبية في عدم توفر شروط اللعان وذلك على فرض تجاوز الأخطاء الإجرائية في المحاكمة ليتفق بالتالي في النتيجة بإخلاء سبيل المتهمة
إزاء ما تقدم فإنني وبعد المداولة أوافق على ما توصلت إليه الأغلبية في الدائرة تسبيباً ونتيجة
الأمر النهائي:
1- نأمر بإلغاء الإدانة والعقوبة في مواجهة المتهمة
2- كما نأمر بإخلاء سبيلها فوراً ما لم تكن محكومة أو متحفظاً عليها في قضية أخرى
محمد حمد أبوسـن
قاضي المحكمة العليا
ورئيس الدائرة
22/5/2007م

