حكومة السودان //ضد// ع ا و م وآخر
حكومة السودان //ضد// ع ا و م وآخر
نمرة القضية: م ع/ ط ج/626/2005م
المحكمة: المحكمة العليا
العدد: 2006
المبادئ:
الحكم:
الحكــم
القاضي: عبدالرحمن محمد عبدالرحمن شرفي
التاريخ: 1/6/2006م
بتاريـخ 31/7/2005م أصدر قاضـي الدرجـة الثالثة بسلطات الدرجـة الثانيـة (……………) بمحكمة الجنايات الثانية بالحاج يوسف حكماً بإدانة المتهم ع ا و م بجريمة الجراح العمد بموجب المادة (139) من القانون الجنائي لسنة 1991م قضى بمعاقبته بالغرامة مائة ألف جنيه سوداني لمخالفته المادة المذكورة وفي حالة عدم الدفع بالسجن لمدة شهرين اعتباراً من تاريخ الحكم في 31/7/2005م وبإلزام المدان المذكور بسداد مبلغ 1500000 جنيه مليون وخمسمائة ألف جنيه سوداني عبارة عن دية من المجني عليه سانتينو بل دينق تحصل وفقاً لنص المادة (198) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م
كان ذلك بناءً على وقائع الدعوى التي تتلخص في أنه بتاريخ 28/11/2004م أبلغ المجني عليه المذكور إلى قسم شرطة الشقلة بمحلية شرق النيل بأن المتهم المذكور قد قام بالتعدي عليه بالضرب مسبباً خلع إحدى أسنانه الأمامية وقدم الشاكي الأورنيك الجنائي رقم (8) (استمارة شرطة جنائية رقم 8) مدوناً فيه ما يفيد ذلك ( مستند اتهام رقم 1) وبعد إجراء التحريات والتحقيقات اللازمة قدمت الأوراق للمحاكمة التي خلصت إلى الإدانة والعقوبة المذكورتين
فتقدم المحكوم عليه طاعناً لدى محكمة الجنايات العامة بالحاج يوسف فوضعت الأوراق أمام القاضي (……………) قاضي المحكمة العامة الذي ناقش الاستئناف من حيث الموضوع خلوصاً إلى صحة الوجوه التي بنى عليها حكم محكمة أول درجة مقرراً صحة الحكم ومن ثم شطب الاستئناف وبعئذٍ تقدم المحكوم عليه طاعناً لدى محكمة استئناف محافظتي بحري وشرق النيل المشكلة برئاسة القاضي (……………) وعضوية القاضيين (………) (………) فأصدرت حكمها بأغلبية الآراء بشطب الاستئناف وجاء في رأي الأغلبية أن المادة 180(ب) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م تنص على أن : ( تدابير المحكمة الجنائية الثالثة والمحكمة الجنائية الثانية تستأنف أمام المحكمة الجنائية العامة ويكون حكمها نهائياً ) –أ هـ - مضيفاً بأنه بصدور الحكم من المحكمة الجنائية الثانية وتأييده بوساطة المحكمة الجنائية العامة فإنه لا يجـوز بعدئذ استئناف ذلك الحكم ثم انتهى رأي الأغلبية إلى انتفاء ما يبرر ممارسة محكمة الاستئناف لسلطتها في فحص إجراءات هذه الدعوى وفقاً لأحكام المادة (188) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م - بينما ذهب رئيس الدائرة الاستئنافية إلى رأي مخالف مفاده وجود ما يسوغ استخدام سلطة الفحص وذلك لعدم إعمال محكمة أول درجـة لأحكام المادة 138(2) من القانون الجنائي لسنة 1991م بعـدم قيامها بتحديـد نـوع الجـراح وعما إذا كانت عمداً أو شبه عمد أو خطأ ولأنها لم تناقش الدفـوع المنصوص عليها بالمواد من 8 حتى 18 من القانون الجنائـي لسنة 1991م ولم تناقش الإستثناءات التسع الواردة في المادة 131(2) من القانـون الجنائـي لسنة 1991م وبعدئذٍ صـدر الحكم الاستئنافي – مـن غير مداولة – بـرأي الأغلبية فـي 20/9/2005م بشطـب الاستئناف -
أعلن المحكوم عليه بالحكم الاستئنافي في 18/10/2005م وتقدم طاعناً لدى المحكمة العليا في 23/10/2005م ناعياً على الحكم المطعون فيه بمجانبة الصواب لأنه لم يضرب المجني عليه وإنما حاول الدفاع عن نفسه برفع يده لصد الضربة التي كانت موجهة نحوه من المجني عليه مما يجعل الحديدة المستخدمة ترتد وتضرب المجني عليه في سنه التي سقطت في حينه وأضاف بأن المبلغ المحكوم به أيضاً مبالغ فيه ولا يتناسب مع الضرر الذي أصاب المجني عليه ومطالباً النظر في الحكم المطعون فيه
الأسباب
من حيث الشكل نتفق مع صاحب الرأي الثالث – المخالف – بمحكمة الاستئناف فيما ذهب إليه من توفر مسوغات فحص إجراءات هذه الدعوى – بما يتعين معه إجراء الفحص وفقاً لأحكام المادة (188) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م ولا يحجب سلطة الفحص التقديرية والتلقائية صيرورة حكم قاضي الدرجة الثانية نهائياً بصدور الحكم المؤيد له من قاضي المحكمة العامة
أما من حيث الموضوع فقد خلصت دراستنا لإجراءات هذه الدعوى إلى مسائل جوهرية مؤثرة في الحكم أيما تأثير نبينها فيما يلي:
أولاً: القاضي الذي نظـر هـذه الدعوى الجنائية وأصدر فيها الحكم ابتدائياً هو القاضي (……………) وقد أحسن صنعاً حين دوّن اسمه بوضوح مع بيان درجته في محاضر الدعوى وأوراقها خمساً وعشرين مـرة والثابت في كلها أنه من قضاة الدرجة الثالثة بسلطات الدرجة الثانية ولا أدري كيف فات عليه وعلى أربعة من ذوي الخبرة من بعده أمر جوهري هو مدى اختصاصه بنظر الدعوى _
إن قاضي الدرجة الثانية لا يختص بحال من الأحوال بنظر دعاوى القصاص فدعاوى القصاص في النفس يختص بنظرها والفصل فيها قاضي المحكمة العامة – فصاعداً – وفقاً لأحكام المادة (9) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م ودعاوى القصاص في العضو يختص بنظرها وبالفصل فيها قاضي الدرجة الأولى وفقاً لأحكام المادة 10(1) من ذات القانون ومن ثم فقـد صدر الحكم محـل الفحص ابتداءً ممن لا يختص بنظره - أي صدر معدوماً -
وينبغي التنبه إلى أن العبرة في تحديد الاختصاص الجنائي - غير المكاني – قد يكون بالنظر إلى شخص المتهم وقد يكون بالنظر إلى نوع الجريمة وقـد يكون بالنظر إلى العقوبة أي السلطة الممنوحة في العقوبة وبشأن تحديد الاختصاص بالنظر إلى شخص المتهم ومن قبيله الاختصاص في الجرائم التي تقع من الأحداث والجرائم التي تدخل في اختصاص القضاء العسكري وصنوهما فإن الأمر فيه ظاهر ولا حاجة إلى بيان أما تحديد الاختصاص بالنظر إلى نوع الجريمة أو بالنظر إلى العقوبة – أي سلطة العقوبة الممنوحة للقاضي – فقد تفاوتت رؤى التشريعات السودانية المتعاقبة بشأنه بالأخذ بمعيار تحديد الاختصاص بالنظر إلى نوع الجريمة مرة وبالأخذ بمعيار تحديد الاختصاص بالنظر إلى العقوبة ومقدارها مرة أخرى ( راجع المواد (13) و(14) من قانون الإجراءات الجنائية السوداني لسنة 1974م والمواد (13) و(14) من قانون الإجراءات الجنائية السوداني لسنة 1983م والمواد 9 و 10و11و12 من قانون الإجراءات الجنائية السوداني لسنة 1991م وراجع كتاب الإجراءات الجنائية السوداني معلقاً عليه للدكتور محمد محي الدين عوض ص 52 وص 53 وما بعدهما طبعة سنة 1971م) - والذي نعني بتفصيل البيان فيه هنا هو بيان القاعدة التي تحقق مقاصد المشرع من تشريع النص وبصفةٍ أخص بيان المنهج الذي لا يفرغ تشريع العقاب من غايته وفي ذات الوقت ما يكفل للمتهم محاكمة عادلة فتلك قواعد ارتكاز في أصول المحاكمات الجنائية ويلزم إعمالها ففي تحديد الاختصاص بنوع التهمة موضوع الدعوى فيصار إلى الوصف القانوني للواقعة –أو التهمة- المرفوعة بها الدعوى إبتداءً بلوغاً إلى محاكمة عادلة مستقرة تكفل للمتهم حقه في الدفاع عن بصيرة من مبتدأ المحاكمة فإن كان تحديد الاختصاص بالنظر إلى العقوبة فيلزم مراعاة التحديد على ضوء من يملك سلطة العقوبة الأشد للتهمة المرفوعة بها الدعوى فيكون هو المختص بالنظر والفصل تجنباً لمخاطر إفـراغ التشريع من مقاصـده بتنزيل عقوبة أخف للمواءمة مع السلطة الممنوحة للقاضي في العقوبة وليس لمقتضيات العدالة وتفريد العقوبة - ومجمل القول فإنه على ضوء كل المعايير وقواعـدها فقـد جاء الحكم محل الفحص صادراً ممن لا يختص به مما يتعين إلغاؤه وإلغاء أحكام المحاكم المؤيدة له والزاهدة عن فحصه -
ثانياً: بفرض أن القاضي الذي نظر الدعوى ابتداءً كان مختصاً بنظرها– وهذا مجرد فرض والفرض غير الواقع - فإن حكمه قد صدر مشوباً بأخطاء قانونية جسيمة ذكر جزءً ضئيلاً منها صاحب الرأي المخالف بمحكمة الاستئناف إذ ذكر عدم إعمال محكمة أول درجة لأحكام المادة 138(1) من القانون الجنائي لسنة 1991م بشأن تحديد نوع الجراح وعما إذا كانت عمداً أو شبه عمد أو خطأ وعدم مناقشة الدفوع المنصوص عليها بالمواد من 8 إلى 18 من القانون الجنائي لسنة 1991م - أي موانع المسئولية الجنائية – وعدم مناقشة حالات الإستثناءات التسع المنصوص عليها بالمادة 131(2) من القانون الجنائي لسنة 1991م - تلك هي النقاط التي أشار إليها صاحب الرأي الثالث – المخالف – في محكمة الاستئناف غير أن الأخطاء الجوهرية الفادحة أكثر من ذلك بكثير فالقاضي في محكمة أول درجة قد قفز إلى الإدانة بموجب المادة 139(1) من القانون الجنائي لسنة 1991م – أي الجراح العمد – دون مناقشة الركن المعنوي للجريمة المتمثل في عنصري – (الإرادة والعلم) ثم قفز بعد تلك الإدانة مباشرة إلى تفريد العقوبة والدية بدون مناقشة مدى توفر - أو انتفاء – شروط القصاص المنصوص عليها بالمادة (29) من القانون الجنائي لسنة 1991م – علماً بأن خلع السن في الأغلب مما يكون فيه القصاص وفقاً للجدول الأول الملحق بالقانون الجنائي لسنة 1991م لإمكان تحقق المماثلة ولإمكان تجنب الحيف وكان على القاضي بعد مناقشة شروط القصاص أن ينتقل (على ضوء نتائج مناقشته) إلى مناقشة مسقطات القصاص وفقاً لأحكام المادة (31) من القانون الجنائي لسنة 1991م فإن توفرت شرائط القصاص وانتفت المسقطات كان لزاماً عليه عندئذٍ المصير إلى أخذ رأي المجني عليه في الأخذ بالقصاص أو في الدية أو العفو فإن طلب القصاص حكم به بعد أخذ رأي الخبرة الطبية بشأن عدم إمكان ظهور بدل للسن المخلوعة فإن أمكن ظهور البدل فلا قصاص وأن طلب المجني عليه الدية أو آثر العفو فيعتد بطلبه أما إذا انتفت شرائط القصاص أو توفر شيء من مسقطاته فيصار إلى الحبس والغرامة (أو كليهما) بدون مساس بالحق في الدية ولا يصار إلى الحبس أو الغرامة إلا بعد التبين من الظروف المخففة والظروف المشددة للعقوبة وصولاً إلى التبين من حال المتهم وما تحتف به من ظروف العمر والحالة الاجتماعية والأخلاق والسوابق الجرمية فضلاً عن التبين من حال الجـرم المرتكب وملابسات ارتكابه وكيفيته ومدى انتهاكه للفضيلة وإذا كان قاضي محكمة الموضوع قد قفز وتسّور على كل هذه القواعد الإجرائية والموضوعية فإن إغفال كل ذلك يجعل حكمه مشوباً بالأخطاء الجسيمة التي لا تنتهي عجائبها - ولئن لم يكن في مثل هذا الحكم ما يوجب الفحص – على حد تعبير رأي الأغلبية بمحكمـة الاستئناف - فلا نحسب أن ثمة ما يوجب الفحص من بعد أما أن توصف الإدانة الصادرة في حق المتهم المذكور بأنها صحيحة وأن يوصف الحكم بأنه جاء سليماً فيما قضى به من الدية الناقصة – على حد تعبير قاضي المحكمة العامة – فذلك لعمري أبلغ فداحة من صنيع قاضي الموضوع ولئن وجدنا لقاضي الموضوع عذراً - لحداثة عهده بالقضاء - فلا نجد لذوي الخبرة ما يسعف من المعاذير -
وثمة أخطاء أخرى عديدة لا حاجة لنا بحصرها بدءً من ضرورة تحديد مادة الإدانة والعقوبة بفقراتها إذ يقال 139(1) فقط - وهناك ضرورة التفريق بين الشطب وموجباته والرفض وموجباته وغير ذلك
والخلاصة: أن الحكم محل الفحص قد صدر معدوماً ابتداءً مشوباً بأخطاء جوهرية انتهاءً فإن وافقني الزملاء الأجلاء بالدائرة الجنائية فإنني أرى إلغاء حكم محكمة الموضوع وأحكام : (المحكمة الجنائية العامة ومحكمة الاستئناف) وإعادة الأوراق إلى محكمة جنايات الحاج يوسف لإعادة المحاكمة بوساطة قاضي مختص على ضوء القواعد الموضحة في هذه الأسباب -
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
القاضي: جار النبي قسم السيد
التاريخ: 5/6/2006م
أوافق
القاضي: محمد علي خليفة
التاريخ: 6/6/2006م
أوافق تماماً أخي عبد الرحمن شرفي في كل ما جاء في مذكرته الضافية وليس لدى ما أضيفه لها
الأمر النهائي:
حكمت المحكمة العليا الدائرة الجنائية بما يلي:
1- إلغاء حكم محكمة أول درجة وأحكام المحكمة الجنائية العامة ومحكمة الاستئناف
2- إعادة الأوراق إلى محكمة جنايات الحاج يوسف لإعادة المحاكمة بوساطة قاضي مختص على ضوء القواعد الموضحة في أسباب هذا الحكم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
عبدالرحمن محمد عبدالرحمن شرفي
قاضي المحكمة العليا
ورئيس الدائرة
7/6/2006م

