حكومة السودان / ضد / يانق ملويل داك
المحكمة العليا
القضاة :
سعادة السيد/ مصطفى محمد بشارة قاضي محكمة عليا رئيساً
سعادة السيد/الضو سليمان الضو قاضي محكمة عليا عضواً
سعادة السيد/ عبد الرحمن شرفي قاضي محكمة عليا عضواً
حكومة السودان / ضد / يانق ملويل داك
النمرة : م ع/ ق ج / 470/1991م
المبادئ:
القانون الجنائي – صيغة الحكم بالقصاص يجب أن تكون (جامعة مانعة)
القانون الجنائي – عدم تنفيذ العقوبة الحدية – شبهة مسقطة للحد – وجوب إصدار حكم بالدية
القانون الجنائي – القصاص في الجراح – حد من الحدود الشرعية – القصاص في النفس – لا يكتسب خصوصية الحد
1- إذا وردت صيغة الحكم منطوية على جهالة من شأنها أن تجعل موضع القصاص مجهولاً ومن ثم يتعذر استيفاء القصاص بموجبها إذ لا تتحقق المماثلة في الموضع كما يرى جمهور الفقهاء عليه يجب اجتناب التعميم في صيغ الأحكام الصادرة بالقصاص في الجراح وأن تكون الأحكام جامعة مانعة
2- إن القصاص في الجراح مما تنطبق عليه المادة 4/3/من القانون الجنائي لسنة 1991م وليس موضع خلاف أن المشرع من وراء هذه المادة كان يرمي إلى تفادي أو تخفيف حدة إنفاذ الأحكام المقدرة والمحددة شرعاً كما أنه قصد إسقاط هذه الأحكام ذات الصيغة الدينية (المقدرة بنصوص قطعية) لما توافرت فيها فيها شبهة التقادم وبسقوط عقوبة القصاص يصار إلى إيجاب الدية
3- إن القصاص في الجراح دون القصاص في النفس عومل باعتباره نوعاً من الحدود الشرعية لأنه مقدر مقدماً من الشارع الحكيم بدلالة الآيات القرآنية وبجانب صراحة النص القرآني في تحديد العقوبة فإن مقتضى المماثلة إدخال القصاص في جنس الحدود علماً بأن القصاص في النفس الإعدام قصاصاً لا يكتسب هذه الخصوصية باعتباره مفيداً لذات نتيجة الإعدام تعزيراً ولأنها عقوبة مشتركة بين أغلب القوانين المعاصرة
المحامون : الأستاذ عثمان يوسف إبراهيم عن المتهم
الحكم:
القاضي : عبد الرحمن شرفي
التاريخ : 8/1/1992م
في اليوم العاشر من صفر عام 1405 هـ أدانت المحكمة الجنائية رقم (2) بأمدرمان (العدالة الناجزة) المتهم / يانق ملويل داك بموجب المادة 278 (1) من قانون العقوبات لسنة 1983م ووقعت عليه عقوبة القصاص في الجراح العمد (كسر السن الأمامية بالفك الأعلى القاطع) المحكوم عليه ظل بالسجن العمومي بالخرطوم بحري (كوبر) من التاريخ المذكور حتى الآن (لتنفيذ عقوبة القصاص)
رفعت الأوراق إلى محكمة استئناف الخرطوم للفحص وفي يوم 15/9/1985م صدر قرارها بتأييد الإدانة وإلغاء القصاص وإعادة الأوراق للمحكمة المختصة لأخذ رأي المجني عليه في توقيع القصاص أو الدية
بعد حل محاكم الطوارئ أرسلت أوراق القضية إلى محكمة المديرية أم درمان وبخطابها نمرة : م م أ / عمومي/ 17/5/2 بتاريخ 15 محرم 1406هـ أرسلت الأوراق إلى محكمة جنايات أمدرمان غرب للعمل بما جاء بقرار محكمة الاستئناف
في وقت غير معلوم فقدت أوراق القضية بتلك المحكمة ورغم المحاولات العديدة والجهود التي بذلت لم يتم العثور على الأوراق
في يوم 14/12/1991م تقدم المحامي عثمان يوسف إبراهيم بمذكرة عن السجين (يانق ملويل داك) تتخلص فيما يلي :-
1- أن المذكور صدر ضده الحكم بالقصاص (بكسر أحد قواطع الفك الأعلى) وكان ذلك أمام المحكمة الجنائية رقم (2) أمدرمان وفي يوم 10/2/1405هـ بموجب المادة 278 من قانون العقوبات لسنة 1983م
2- المذكور رهن الحبس منذ تاريخ صدور الحكم بالقصاص
3- لم يتم تنفيذ الحكم بسبب وقف تنفيذ الأحكام الحدية بعد الانتفاضة عام 1985م
4- القانون الجنائي لسنة 1991م قد نص على اعتبار مضي المدة سبباً لاسقاط العقوبات الحدية
على ضوء ما ذكر طلب محامي المذكور الأمر بالإفراج عن السجين المذكور تحقيقاً للعدالة خاصة أن عقوبة السجن التي قضاها أقسى من أي تنفيذ للعقوبة الأصلية التي حكم بها
أحيلت إلينا الأوراق وطيها الملف الفرعي للفحص وفقاً لأحكام المادة 188 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م
ينصب طلب الفحص على وجوب أعمال نص المادة 4 (3) من القانون الجنائي لسنة 1991م – فهل تسري المادة المذكورة على هذه الحالة ؟
تنص المادة 4 (3) من القانون الجنائي لسنة 1991م على :" أنه يعد عدم تنفيذ أي عقوبة حدية قبل العمل بهذا القانون شبهة مسقطة للحد ويراجع تقدير العقوبة لمن صدر في حقه حكم نهائي وفق أحكام هذا القانون"
الأمر الجازم هو استيفاء هذه القضية لشرط الزمان المنصوص عليه في هذه المادة إذ صدر فيها الحكم بالقصاص قبل العمل بالقانون الجنائي لسنة 1991م غير أن المادة المذكورة قد تحدثت عن العقوبة الحدية فهل القصاص في الجراح من قبيلها ؟
قبل الإجابة على هذا السؤال فقهاً نقرر بمقتضى العلم القضائي أن القصاص في الجراح – دون القصاص في النفس – منذ تطبيق التشريعات الإسلامية في السودان في عام 1983م قد عومل باعتباره نوعاً من الحدود الشرعية وعلى ذلك ذهبت المحكمة العليا في قضية (حكومة السودان /ضد/ عوض السيد آدم عبد الرحمن م- مجلة الأحكام القضائية سنة 1988م ص 163 وما بعدها ) هذا الاتجاه له وجه من الفقه يتمثل في أن القصاص يجتمع مع الحد في أهم عناصره ومن هذا الاتجاه له وجه من الفقه يتمثل في أن القصاص يجتمع مع الحد في أهم عناصره ومن هذا القبيل فإنه يعد حداً جاء في كتاب (التعزير) للدكتور عبد العزيز عامر ( ص 57) أنه " يمكن أن تسمى عقوبة القصاص حداً لأن هذه العقوبة حددها الشارع مقدماً أما تسمية عقوبات بعينها حدوداً دون أن يدخل فيها القصاص فهو عرف واصطلاح جرى عليه الفقهاء وإلا فإن القصاص كالحدود مقدراً ويمنع من ارتكاب الجرائم أما أنه من حق الأفراد وأن ذلك يعطيه اسماً خاصاً متميزاً عن الحدود فهذا غير مسلم به إذ لا صلة ولا مناسبة بين تسمية العقوبة بالحد وكونها حقاً لله أو الفرد وكل ما يمكن بسببه تسمية الحد حداً يوجد في القصاص الذي هو محدد من الشارع كالحد سواء بسواء
إن القصاص مقدر مقدماً من الشارع الحكيم بدلالة الآيات القرآنية – قاطعة الدلالة قال تعالى :"وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص" والقصاص يقتضي المماثلة قال تعالى :" وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به " وقال تعالى :"فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم" وبجانب صراحة النص القرآني في تحديد العقوبة فإن مقتضى المماثلة ادخال القصاص في جنس الحدود
صحيح أن هنالك أوجه خلاف بين القصاص وأجناس الحدود الأخرى تتمثل في الصلة بحقوق الله وحقوق العباد ومداهما في كل أو قل (النظام العام) أو (حق الدولة وحق الفرد) وفي ظل معطيات عصرنا الحاضر تضيق مساحة الخلاف المذكور إذ لم يعد القصاص حقاً خالصاً للفرد رغم أن حقه أغلب
تأسيساً على الواقع العملي وما تعضده من أوجه ومعطيات العصر نرى أن القصاص في الجراح مما تنطبق عليه المادة 4 (3) من القانون الجنائي لسنة 1991م وليس موضع خلاف أن المشرع من وراء هذه المادة كان يرمي إلى تفادي أو تخفيف حدة إنفاذ الأحكام المقدرة والمحددة شرعاً كما أنه قد قصد اسقاط هذه الأحكام ذات الصبغة الدينية المقدرة بنصوص قطعية لما توافرت فيها شبهة التقادم ولئلا يتحمل القانون الجنائي لسنة 1991م تبعة أحكام لم تصدر في ظله ولعله يكون مفيداً ومبعثاً للطمأنينة أن نؤكد هنا بأن مقاصد المشرع من وراء هذه المادة كانت مشروعة وصادرة من معين الفقه الإسلامي ففي حاشية رد المختار (ج4 ص 43) "أن التقادم كما يمنع قبول الشهادة في الابتداء يمنع الإقامة بعد القضاء حتى لو هرب بعد ما ضرب بعض الحد ثم أخذ بعدما تقادم الزمان لم يحد لأن الإمضاء من القضاء في باب الحدود
إذ تقرر أن ذلك هو قصد المشرع من تشريع هذه المادة فلايبقى إلا تأكيد دخول القصاص في الجراح في معنى (عقوبة حدية) المنصوص عليها بالمادة 4(3) من القانون الجنائي لسنة 1991م لما في عقوبات القصاص في الجراح من (صبغة دينية) وخصوصية تصبغها بها وتضيفها عليها ثبوتها بآيات قرآنية قطعية الدلالة – علماً بأن القصاص في النفس الإعدام قصاصاً لا يكتسب هذه الخصوصية باعتباره مفيداً لذات نتيجة (الإعدام تعزيراً) ولأنها عقوبة مشتركة بين أغلب القوانين المعاصرة ولم يعد تنفيذها مثيراً للاستغراب ولا للأراجيف ومن ثم لا تدخل في المادة المذكورة ولا في قصد المشرع من وراء تشريعها
قبل الخوض إلى نتائج ما قدمنا – نشير عابراً إلى أن صيغة الحكم الصادر في هذه القضية من المحكمة الجنائية رقم (2) (العدالة الناجزة ) قد نصت على العقوبة التالية (كسر السن الأمامية بالفك الأعلى – القاطع) وهذه الصيغة لم ترد (جامعة مانعة ) بل تنطوي على جهالة من شأنها أن تجعل موضع القصاص مجهولاً ومن ثم يتعذر استيفاء القصاص بموجبها إذ لا تتحقق المماثلة في الموضع بمقتضى هذه الصيغة فكل فك من فكي الإنسان به أربع قواطع وإزاء هذا التعميم في صيغة الحكم يتعذر تحديد السن (القاطع) التي يجب إنفاذ القصاص عليها – إذ أن المماثلة تقتضي المماثلة في الموضع - كما ذهب إليه جمهور الفقهاء فيؤخذ اليمين باليمين واليسار باليسار والأعلى بالأعلى والأسفل بالأسفل قال الفقيه ابن قدامة في المغني ج7 ص 723 " ولا تؤخذ السن بالسن إلا أن يتفق موضعهما أو أسمهما)
يجب اجتناب مثل هذا التعميم في صيغ الأحكام الصادرة بالقصاص في الجراح
نخلص مما سبق إلى وجوب إسقاط عقوبة القصاص في الجراح في هذه القضية عماً بالمادة 4(3) من القانون الجنائي لسنة 1991م يبقى لنا معرفة ما يجب الإبدال به من أحكام
أنه ونسبة لتعلق القصاص بحقوق العباد فعند اسقاط القصاص في الجراح بموجب المادة المذكورة يصار إلى إيجاب الدية وفق ماهو مقرر بالمادة 43 (أ) من القانون الجنائي لسنة 1991م ولما كان قانون العقوبات لسنة 1983م هو الواجب التطبيق في تقدير الدية فيجب إعمال أحكام المادة (278) 2 ب منه والذي بموجبها يكون تقدير دية السن (القاطع) مبلغ واحد ألف جنيه
وبناء على ما سبق :
1/ تأييد الإدانة وإلغاء عقوبة القصاص
2/ استبدا العقوبة إلى دية السن (القاطع) وقدرها مبلغ واحد ألف جنيه على يتم استيفاء هذا المبلغ وفقاً لقانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م – كما تقضي بها المادة (45/5) من القانون الجنائي لسنة 1991م
3/ إطلاق سراح السجين المحكوم عليه /يانق ملويل داك فوراً
القاضي : الضو سليمان الضو
التاريخ : 11/1/1992م
أوافق الزميل العلامة فيما توصل إليه في مذكرته الضافية من نتيجة تتفق مع الشريعة والقانون
القاضي : مصطفى محمد بشار
التاريخ : 13/1/ 1992م
أوافق زميلي العالم عبد الرحمن شرفي فيما ذهب إليه

