علي دنقلا / ضد / حكومة السودان ( وزارة الأشغال )
محكمة الاستئناف
القضاة :
سيادة السيد / التجانى الزبير قاضي محكمة الاستئناف رئيساً
سيادة السيد / محمد محمد الحسن شقاق قاضي محكمة الاستئناف عضواً
سيادة السيد/ زكريا أحمد الهاشمي قاضي محكمة الاستئناف عضواً
علي دنقلا المستأنف
/ ضد /
حكومة السودان ( وزارة الأشغال ) المستأنف ضدها
م أ / أ س م / 94 / 73
المبادئ:
القانون المدني لسنة 1971 – قواعد تفسير العقد – الاسترشاد بالقانون العام عند تطبيق القانون المدني
1- علي المحكمة أن تنفذ أراده المتعاقدين إذا كانت واضحة وإلا فإن تفسير مضمون العقد يجب أن يتجه إلى توضيح نية المتعاقدين المشتركة وذلك من طبيعة التعامل بينهما وظروفه والعرف الذي يحكمه
2- يجوز للمحكمة في تطبيقها للقانون المدني الاسترشاد بمبادئ القانون العام التي استقر العمل بها علي اعتبار أنها الأساس الذي نهلت منه السوابق القضائية السودانية
المحامون :
عبد الله الحسن وعبد الوهاب أبو شكيمة عن المستأنف
الحكم:
التاريخ : 8 / 12 / 1973
القاضي : ذكريا أحمد الهاشمي
هذا طعن بطريق الاستئناف من حكم محكمة مديرية الخرطوم في القضية رقم ق م / 40 / 70 الصادر في 1 / 8 / 73 والقاضي بشطب الدعوى برسومها
باستقراء محضر الدعوى يتضح أن وقائعها تتلخص في الآتي :
أعلنت وزارة الأشغال في الصحف عن بيع كميات محدده من الأسمنت وبناء علي هذا الإعلان تقدم المدعي بعرض ( مستند د أ ) لشراء ثلاثة وعشرين ألف طن من الأسمنت بأسعار مختلفة وقد أشار المدعي المستأنف في خطاب العرض إلى الدعوة إلى التعاقد ( مستند د 2 ) التي تتضمن شروط العقد ومواصفاته كما يتضح بفحص ذلك المستند فان المستأنف قد وقع عليه لم تقبل المستأنف ضدها هذا العرض في 1 / 8 / 1965 أرسل المستأنف خطابا آخر ( مستند د (4) إلى مدير الأشغال يحتوي علي إيجاب جديد مشيرا إلى العرض السابق الذي رفض تضمن ذلك الخطاب عرض المستأنف لشراء عشرة ألف طن من الأسمنت بسعر أعلي مما قدمه في العرض السابق وفقا لما جاء في الدعوة إلى التعاقد و ( invitation to treat) أصدر البنك التجاري خطاب ضمان بمبلغ ستة ألف وسبعمائة وخمسين جنيها لصالح وزارة الأشغال كتأمين عن شراء كميه الأسمنت الموضحة في خطاب العرض الأخير
صدقت وزارة المالية علي قبول عرض المدعي المستأنف أرسلت خطابا للأشغال ( م د(4)) أوضحت فيه موافقتها علي قبول عرض المدعي بشرط أن يكون الدفع نقدا ذكر شاهد الدفاع الثالث محمد حسن إبراهيم في معرض شهادته الآتي :
(( في يوم لا أذكر تاريخه جاء أحد الموظفين بوزارة الأشغال ومعه خطاب يحمل توقيع وكيل وزارة الأشغال ببيع عشرة ألف طن أسمنت لعلي دنقلا وعلي دنقلا طلب استلام ألف طن ودفع قيمتها بشيك )) وعند إعادة استجواب هذا الشاهد ذكر الآتي :
أذكر أن محتويات الخطاب كانت ( تصدق ببيع عشرة ألف طن أسمنت لعلي دنقلا حسب تعليمات أو تصديق وزارة المالية )
أرسل شاهد الدفاع الثالث بصفته مراقبا لمخازن وزارة الأشغال بالنيابة تلغرافا ( م د (6) ) لمندوبهم في بورتسودان لتسليم المدعي ألف طن أسمنت وبالرغم من أن هذا الشاهد قد ذكر أنه تلقي إشارة تلفونية من وكيل الأشغال في اليوم التالي لعقد الصفقه يطلب منه إلغاءها ألا أن ذلك لا يتسق مع ما ذكره ومع ما ورد في مستند الدفاع رقم 6 الذي يطلب فيه من مندوبهم في بورتسودان تسليم المدعي ألف طن أسمنت لذا أرى أن تاريخ إلغاء الصفقة هو تاريخ الخطاب ( م أ (1)) الذي أخطر فيه المدعي بإلغائها أي 23 / 8 / 1965
هذه باختصار هي الوقائع التي قدمت لمحكمة الموضوع وكما يتضح فان العقد لم يدون في وثيقة محددة توضح محله وشروطه لذا يتعين استخلاص ذلك من الوقائع الثابتة لهذا ينبغي تحديد القانون الواجب التطبيق علي هذه الوقائع
لقد بدئ في سماع هذه الدعوى في 5/ 8 / 1971 ولم يصدر فيها حكم حين بدأ العمل بقانون المرافعات لسنة 1972 وبما أن المادة (6) من ذلك القانون تنص علي سريان النصوص الجديدة المنظمة للإجراءات علي مالم يكن قد فصل فيه من الدعاوى فان القانون الإجرائي الواجب التطبيق هو قانون المرافعات كذلك فأنه وفقا للمادة 1 (2) من القانون المدني فان القانون الواجب التطبيق علي وقائع هذه القضية هو القانون المدني لان الدعوى لم يفصل فيها في تاريخ العمل به وبهذه المناسبة فإن سعادة قاضي المديرية قد أخطأ حين استرشد بقواعد القانون العام في هذا الصدد
باستقراء الوقائع التي سردتها سلفا يتضح جليا أن طرفا النزاع قد اتفقا علي بيع وشراء عشرة ألف طن بسعر محدد
من الخطابات المتبادلة بينهما يتضح أن نقطتي الخلاف بينهما تنحصر في كيفية تسليم البيع وطريقة الدفع وبما أن شروط العقد غير مدونة في وثيقة واحدة يتعين أعمال وسائل التفسير التي نصت عليها المادة 140 من القانون المدني لاستخلاص قصد المتعاقدين تنص المادة 140 من ذلك القانون علي الآتي :
1- إذا كانت عبارة العقد واضحة فلا مجال لتفسيرها للتعرف علي إراده المتعاقدين ويكتفي بالمعني الواضح لتلك العبارة
2- إذا كان هناك مجال لتفسير العقد فيجب البحث عن النية المشتركة للمتعاقدين دون الوقوف عند المعني الحرفي للألفاظ مع الاستهداء بطبيعة التعامل وبما ينبغي أن يتوفر من أمانة وثقة بين المتعاقدين وفقا للعرف الجاري عن المعاملات
3- يقول الدكتور السنهوري في كتابه الوسيط في شرح القانون المدني في معرض شرحه للمادة 150 من القانون المدني المصري المقابلة للمادة 140 ما يلي في صفحة 273 :
" لحكمة الموضوع السلطة التامة في تفسير صيغ العقود والشروط والقيود المختلف عليها بما تراه هي أوفي بمقصود المتعاقدين مستعينة في ذلك بجميع ظروف الدعوى وملابساتها ولها بهذه السلطة أن تعدل عن المدلول الظاهر إلى خلافه بشرط أن تبين في أسباب حكمها لم عدلت عن هذا الظاهر إلى خلافه وكيف أفادت تلك الصيغ هذا المعني الذي اقتنعت به ورجحت أنه هو مقصود العاقدين )
وتأسيسا علي ذلك وباستقراء الوقائع الثابتة تري المحكمة أن طرفي النزاع قد اتفقا علي بيع وشراء عشرة ألف طن أسمنت سعر الطن 750ر6 مليجـ بشرط أن يدفع ثمن البيع كله وفوراً علي أن تسلم الكمية المبيعة دفعه واحد بمجرد دفع الثمن كله وذلك للأسباب الآتية :
أولا : لقد تقدم المستأنف بعرضه المؤرخ في 1/ 8 / 1973 أشار في ذلك الخطاب إلى العرض السابق الذي رفض لقد قدر العرض الأول بناء علي دعوة للتعاقد ( م د (2) نصت الفقرة السابعة من بنودها علي أن المشتري ينبغي أن يدفع ثمن البيع كله في ظرف سبعة أيام من تاريخ القبول وقد وقع المدعي علي هذا المستند اعترافا بإطلاعه عليه والعمل بمقتضاه فإذا كان الأمر كذلك فان التعاقد قد تم وفقا لذلك الشرط الهام وبهذا يعتبر المستند ( م د (2)) جزءاً مكملا للمستندات التي تستخلص منها النية المشتركة للمتعاقدين وليس صحيحا ما ذهبت إليه محكمة الموضوع من أن هذا المستند ليس جزءاً من مستند العقد وأن لا يعتد بما جاء فيه
ثانيا : يتضح من العبارات التي وردت في إفادة شاهد الدفاع الثالث والمشار إليها سلفا أن محل عقد البيع هو بيع عشرة ألف طن أسمنت وطالما أن خطاب القبول لم يتطرق إلى طريقة تسليم المبيع فان الاستنتاج الطبيعي هو بيع الكمية المتعاقد عليها كلها كدفعة واحدة
ثالثا: لقد اشترطت وزارة المالية عند موافقتها علي عرض المدعي علي دفع الثمن كله فورا وبما أن وزارة الأشغال تعتبر وكيلا عن وزارة الخزانة فأنها تكون قد تجاوزت سلطاتها إذا قبلت العرض بشروط تختلف عن تلك التي حددها الأصيل ورغم ذلك فان المدعي لم يقدم بينة بأن العقد قد نص علي تسليم المبيع علي دفعات عدا قبول شاهد الدفاع الثالث قيمة ألف طن أسمنت فقط وإرسال تلغراف لمندوب الأشغال لتسليم ألف طن بيد أن ذلك في اعتقادي لا يدل علي أن العقد قد نص علي تسلم المبيع علي دفعات بل يدلل علي فشل المستأنف في دفع الثمن كله علي حسب مقتضيات العقد فإذا كان التكييف القانوني هو ما ذهبت إليه فما هي حقوق طرفي العقد وهل يجوز للمستأنف ضده الامتناع عن التنفيذ ؟
تنص المادة 146 من القانون المدني علي الآتي :
( في العقود الملزمة للجانبين إذا كانت الالتزامات المقابلة مستحقه الوفاء جاز لكل من المتعاقدين أن يمتنع عن تنفيذ التزامه إذا لم يقم المتعاقد الآخر بتنفيذ ما التزم به )
وحيث أنه قد وضح من الوقائع الثابتة أن المستأنف ضده قد أخفق في دفع قيمة المبيع في المدة المحددة فانه يجوز للمستأنف أن يمتنع عن تسليمه المبيع وفقا للمادة الوارد نصها أعلاه وبهذا فان المستأنف ضدها لم تخل بأي التزام تعاقدي حين رفضت تسليم المبيع مهما كان الدافع لذلك طالما أن المستأنف لم ينفذ التزامه
وحتى علي افتراض أن المستأنف ضدها قد أخلت بالتزامها التعاقدي اتفق مع محكمة الموضوع في أن المستأنف لم يتكبد أي خسارة ولم يفت عليه أي ربح للأسباب الواردة في الحكم ورغم أن القانون المدني هو القانون الواجب التطبيق فليس هنالك ما يمنع من الاسترشاد بالسوابق القضائية الإنجليزية خاصة قضية Hadley v Baxendale ( 185410 9 Ex354 بحسبانها الأساس الذي نهلت منه السوابق القضائية السودانية في هذا المضمار وقد أشارت إلي إمكانية ذلك مقدمة المذكرة التفسيرية للقانون المدني حين قالت :
( ولئن كانت القوانين المدنية في بعض الدول مصدراً لهذا المشروع فان ذلك لا يعني أن يتصل المشروع بهذه القوانين صلة تبعية في التفسير أو التطبيق أو التطور لان النص وأن ولد يحمل ملامح الأصل الذي دلف منه إلا أنه سرعان ما يتعايش مع البيئة التي ولد لها ويوثق صلته بما يحيط به من ظروف هذه البيئة ويتناوله التطبيق والتفسير بالتوضيح لما يلائم هذه الظروف )
أما فيما يتعلق بالتقادم فان المادة 344 من القانون المدني تحدد مدة انقضاء الالتزام بخمس سنوات ولما تنقضي هذه المدة بعد
لذا أرى أن يشطب الاستئناف برسومه ويؤيد حكم محكمة الموضوع للأسباب الواردة أعلاه
القاضي : محمد محمد الحسن شقاق
التاريخ : 8/ 12/ 1973
أوافق
القاضي : التجانى الزبير
التاريخ : 22/ 12 / 1973
أوافق

