أعمال مبارك الهندسية/ضد/جامعة الخرطوم
المحكمة العليا
القضاة:
سعادة السيد/ على يوسف الولي قاضي المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد/ إمام البدري على قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد/ حسين عوض أبو القاسم قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد/ عبد الجليل آدم حسين قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيدة/ سنية الرشيد ميرغني قاضي المحكمة العليا عضواً
الأطراف :
أعمال مبارك الهندسية/ضد/جامعة الخرطوم
النمرة: م ع/ط م/2/1996م
مراجعة 7/1997م
المبادئ:
قانون المعاملات المدنية-ارتفاع أو انخفاض قيمة النقود وأثر ذلك في الوفاء بالالتزامات-المادة 128 (1) و131 من قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م
إن الأخذ في الاعتبار لانخفاض القيمة الشرائية للعملة في تاريخ الحكم لا يعد ضرباً من ضروب الربا بل ذلك لا يعدو أن يكون تعويضاً لمضرور عما سبب له من خسارة وعما فاته من كسب فجبر الضرر يختلف عن الربا المحرم بنص القرآن والسنة والذي هو عبارة عن زيادة غير شرعية يأخذها الدائن لقاء تأجيل السداد لأجل معلوم إن المادة 82 من قانون المعاملات المدنية تنسحب في حالة عدم فسخ العقد أما حالة فسخ العقد فتحكمها المادة 128 (1) مقروءة مع المادة 131 من قانون المعاملات وذلك بالنص على إعادة المتعاقدين إلي الحالة التي كانا عليها قبل العقد
المحامون:
الأستاذ/ أحمد فتح الرحمن تاج الدين عن الطاعن
الحــكم
القاضي: على يوسف الولي
التاريخ: 3/6/1997م
هذا طلب مراجعة رفعة لهذه المحكمة العليا (دائرة المراجعة) المحامي أحمد عبد الرحمن تاج الدين عن المحامي السر خليل نيابة عن طالب المراجعة أعمال مبارك الهندسة وذلك لتراجع حكمها بالرقم ع/ ط م/2/1996م المؤرخ 21/ 12/1996 م تقريبا
نوجز الوقائع موجزاً غير مخل ودون إسهاب ممل في أنه بتاريخ 13/1/1980م أبرمت المراجع ضدها جامعة الخرطوم عقداً مع طالب المراجعة أعمال مبارك الهندسية لينفذ الأخير أعمالاً كهربائية لورشة المراجع ضدها وكانت قيمة العقد 157136375جنيهاً (مائة وسبعة وخمسين ألفاً ومائة وستة وثلاثين جنيهاً وثلاثمائة وخمسة وسبعين مليماً) وأنت مدة العقد ثلاثة أشهر تنتهي في 9/5/1980م إلا أن العمل لم يكتمل في الميعاد المضروب ونشأت بين الطرفين خلافات دارت حولها مكاتبات انتهت باتفاق الطرفين في 16/1/1982م على أن ينتهي العمل في 5/3/1982م ولكنه لم ينته في ذلك الموعد الأخير وقررت المراجع ضدها تكليف مقاول آخر لإنجاز العمل وفعلاً أكمل المقاول المذكور في ظرف ثلاثة أشهر انتهت في مارس سنة 1983م
بتاريخ 7/11/1984م أقامت المراجع ضدها الدعوى رقم 72/1984م لدى محكمة المديرية بالخرطوم (التي أصبحت فيما بعد الدعوى رقم 1822/1982م لدى محكمة الخرطوم الجزئية) في مواجهة طالب المراجعة مطالبة في دعواها بالحكم لها بمبلغ 1031492625 (مليون وواحد وثلاثين ألفاً وعشرين مليماً) وذلك عبارة عن (1) قيمة ما دفعته المراجع ضدها لطاب المراجعة (2) قيمة العمل الذي نفذ بوساطة المقاول الآخر (3) مجملة المبلغ الذي فقدته الراجع ضدها نتيجة لتوقف العمل (5) مرتبات عمال المطبعة خلال فترة التوقف
بتاريخ 26/10/1992م قامت المراجع ضدها بتعديل دعواها ليشمل تعويضاً مقداره عشرون مليوناً من الجنيهات
لقد ثبت للمحكمة الجزئية أن طالب المراجعة قد أخل بالعقد عندما تخلف عن تنفيذه وأنه تسلم من المراجع ضدها ما جملته 99840 (تسعة وتسعون ألفاً وثمانمائة وأربعون جنيهاً) وأنه أنجز 10% من العقد وعليه لما كانت القيمة الكلية للعقد هي 166400(مائة وستة وستين ألف وأربعمائة جنيهاً) ولما أنجز طالب المراجعة مبلغ 83200 جنيهاً (ثلاثة وثمانين ألف ومائتي جنيه) ومن ثم قضت المحكمة الجزئية بتاريخ 19/2/1995م حكمها (1) بفسخ العقد المبرم بين المراجع ضدها وطالب المراجعة على أن يعاد الطرفان للحالة التي كانا عليها قبل انعقاد العقد على أن يدفع طالب المراجعة للمراجع ضدها مبلغ عشرين مليون جنيهاً كتعويض
ولقد ثبت للمحكمة الجزئية أن التاريخ الذي تسلم فيه طالب المراجعة من المراجع ضدها مبلغ 99840 ج هو في المدة بين 5/3/1980م و 8/2/1981م ورأت المحكمة الجزئية أن تحكم للمراجع ضدها بباقي المبلغ وهو 83200 ج بعد خصم نسبة الـ10% المذكورة وذلك بما يساوي قيمة هذا المبلغ في تاريخ الاستلام وذلك بسبب انخفاض قيمة النقود واستأنست المحكمة الجزئية بقيمة الدولار في فبراير سنة 1981م وفي فبراير سنة 1985م بعد رجوعها إلي بنك السودان وخلصت إلي أن مبلغ 83200 ج تساوي في تاريخ الحكم أربعة وأربعين مليوناً من الجنيهات ولكن بما أن المراجع ضدها طالبت فقط في دعواها بمبلغ عشرين مليوناً من الجنيهات لا غير فقد حكمت المحكمة الجزئية بها وتركت ما زاد عليها ولم تحكم بشيء فيما يتعلق بالمطالبات الأخرى وهي قيمة العمل الذي نفذ بوساطة المقاول الآخر وجملة قيمة العقد وجملة المبلغ الذي فقدته المراجع ضدها نتيجة لتوقف العمل مرتبات عمال المطبعة خلال فترة التوقف-ذلك لأنها وجدت أن التعويض الذي قدرته بالنسبة لنا استلمه طالب المراجعة من المراجع ضدها وما بقى في يده بعد خصم 10% يتجاوز من حيث القيمة ما طالبت به المراجع ضدها وهو 20 مليون جنيه فاكتفت بالمبلغ الذي طلبته المراجع ضدها دون الحكم بقيمة الطلبات
بعد استأنف طالب المراجعة إلي محكمة الاستئناف قضت بأن تنزل بالتعويض الذي حكمت به المحكمة الجزئية إلى ثلاثة ملايين جنيه فقط باعتباره القدر المعقول في ظل تدني العملية بعد أن رفعت المراجع ضدها طعناً بالنقض إلي المحكمة العليا قضت المحكمة العليا بإلغاء حكم محكمة الاستئناف والإبقاء على حكم المحكمة الجزئية ولقد ورد في مذكرة المراجعة إلي هذه الدائرة بأن حكم المحكمة العليا المذكور جاء مخالفاً مخالفة صريحة لأحكام الشريعة الإسلامية لمخالفته للقانون فقد ورد في مذكرة المراجعة ما يلي:
"فإن قرارها (المحكمة العليا) في تأييد ما ذهبت إليه المحكمة الجزئية فيما يتعلق بالتعويض جاء مخالفاً لأحكام المادة 82 من قانون المعاملات المدنية لعام 1984مالثابت في قرار المحكمة العليا بأن المبلغ المحكوم به عبارة التزام مالي في ذمة مقدم الطلب لصالح المقدم ضده الطلب بعد خصم ما أنجز من عمل ومعتمدة على ما قامت به محكمة الموضوع من معادلة بقيمة المبلغ المتبقي بسعر الدولار وهو ما يعتبر مخالفاً لنص المادة المذكورة والتي يفترض تطبيقها وفاء وإخلالاً باعتباره رداً لدينمقدم الطلب يبقى ملزماً بسداد ما عليه من التزام في حدود ما استلم من مقابل وأي حسابات خلاف ذلك تعتبر إثراءً بلا سبب
أشار المقدم الطلب ضده في عريضة دعواه إلي مطالبة بالتعويض بمبلغ 200000000 جنيه
الثابت من محضر الدعوى أن المقدم ضدها لم تقدم أي بينة تبين استحقاقها للمبلغ المطالب به بل عملت المحكمة على جلب البينة بنفسها واعتماداً على معيار لم نجد له سنداً في القانون ألا وهو الفرق في سعر الدولار بين تاريخ الاستلام وتاريخ إصدار الحكم والمعلوم قانوناً بأن تقدير التعويض يبني في جوهره على ما سبب للمتضرر من خسارة وما فاته من كسب إن ما قامت به المحكمة الجزئية ومن بعدها المحكمة العليا في حساب تقدير التعويض يعتبر تجاوزاً إجرائياً وموضوعياً بل شرعياً لإقرارها لشكل من أشكال الربا المستحدثة"
الأسباب
لقد أعلن مقدم طلب المراجعة بالحكم المطلوب مراجعته بتاريخ 6/1/1997م ورفع طلب المراجعة لهذه المحكمة العليا (دائرة المراجعة) بتاريخ 22/1/1997م مما جعل هذا الطلب مقبولاً من حيث الشكل لرفعه خلال القيد الزمني المرسوم قانوناً
ولكن من حيث الموضوع تجدنا نرى رفض هذا الطلب وعدم قبوله إيجازياً دون حاجة بنا لأن نلتقي رد المراجع ضدها على طلب المراجعة-ذلك لأنه بات-في تقديرنا وقناعتنا أن هذا الطلب لا أمل في نجاحه البتة
فمعلوم أن المحكمة العليا-قمة الهرم القضائي في البلاد –لا يجوز لها أن تراجع وتلغي وتبدل وتغيير حكماً قد أصدرته ما لم يكن ذلك الحكم قد جاء منطوياً على مخالفة صريحة لأحكام الشريعة الإسلامية السمحاء وفقاً لنص المادة 215 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م (تعديل 1406هـ) (1995م)
إن التفسير المخالفة أحكام الشريعة الإسلامية يجب ألا يكون تفسيراً ضيقاً جامداً بل يجب أن يكون تفسيراً جديراً بأن يقودنا ويصل بنا إلي الهدف الجليل السامي الذي من أجله أنزل الله عز وجل شريعته السمحاء من السماء على عباده في الأرض وذلك حتى لا يحدث تصدع في قمة الهرم القضائي العالي بوقوع تضارب وتناقض واهتزاز وتأرجح وفوضى تضرب إطنابها حول أحكام المحكمة العليا ولكي لا تصاب المحكمة العالي بداء عدم عد استقرارية الأحكام وعدم انتهائيتها
فنرى أن نبين -انطلاقاً من ذلك المفهوم – المعنى الحقيقي لمخالفة أحكام الشريعة الإسلامية الذي تعنيه المادة المذكورة من القانون المذكور حتى نستطيع أن نوضح كيف أن الحكم المطلوب مراجعته في هذا الطلب الذي بين أيدينا ليس هنالك ما يبرر مراجعته
فالمخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية التي تعنيها المادة 215 أعلاه هي: مخالفة أحكام الشريعة الإسلامية قطعية الإسناد والدلالة أي هي الأحكام الواردة وروداً صريحاً ومباشراً في القرآن الكريم والسنة المطهرة
ولكن حكم المحكمة العليا المطلوب مراجعته بين أيدينا لم يخالف من بعيد أو قريب حكماً قطعي الإسناد والدلالة لأنه قد بنى على نصوص قانون المعاملات المدنية سنة 1984م ومن ثم فليس هنالك ما يبرر مراجعته في هذا المعنى لمخالفة أحكام الشريعة الإسلامية
إن الأخذ في الاعتبار لارتفاع القيمة الشرائية للعملة في تاريخ الحكم لا يعد ضرباً من ضروب الربا كما يرى محامي طالب المراجعة بل ذلك لا يعدو أن يكون تعويضاً للمضرور عما سبب له من خسارة وعما فاته من كسب صحيح أم ممارسة الربا تقود مباشرة إلى مخالفة صريحة وواضحة للقرآن والسنة والشريعة الإسلامية
لقد جاء على صفحة 174 من كتاب صفوة التفاسير تأليف محمد على الصابوني المجلد الأول في تفسير الآية 275 من صورة البقرة عن معنى الربا ما يلي:
"الربا الكسب الخبيث ذو الوجه الكالح الطالح الذي هو شح وقذارة ودني(الربا) لغة: الزيادة يقال: ربا الشيء إذا زاد ومنه الربوة والرابية شرعاً زيادة على أصل المال يأخذها الدائن من المدين مقابل الأجل"
وأما التعويض في حالة الإخلال بالعقد-كما قضت المحكمة العليا في قضية بنك النيلين ضد إدوارد صادق سليمان مجلة الأحكام القضائية السودانية سنة 1980م صفحة 222-هو جبر الضرر أي وضع الطرف المضرور نتيجة الإخلال بالعقد بقدر الإمكان عن طريق التعويض النقدي في الحالة التي سيكون عليها لو تم الوفاء بالعقد وأن الغرض من التعويض ليس معاقبة الطرف الذي أخل بالعقد كما أن التعويض يجب ألا يكون بمثابة إثراء للمضرور بل يحجب أن يكون التعويض معقولاً ومناسباً وعادلاً ولذلك عند تقدير التعويض-كما قضت المحكمة العليا في قضية محمد أحمد السر وحكومة السودان (وزارة الداخلية) ضد أم سلمى قسم السيد مجلة الأحكام القضائية سنة 1977م صفحة 344 قضى بأنه يجب أن يضاف إلى المعيار في التعويض أمر جديد ألا وهو قيمة النقود وما يطرأ عليها من تغيير حسب قيمتها في السوق
ويجب على المحكمة عند تقدير التعويض ألا تأخذ في الاعتبار أمراً ما كان عليها أخذه ويجب عليها ألا تغفل أمراً كان عليها الأخذ به كما يجب على المحكمة ألا تضع تعويضاً مغالى في كثرته أو مبالغاً في قلته للدرجة التي تثير دهشة الرجل المعقول كما يجب على المحكمة أن تبدي أسبابها التي بنت عليها رصد وتقدير التعويض ويجب عليها ألا تقدره تقديراً جزافياً دون تسبيب
فالتعويض الذي يشمل الأخذ في الاعتبار لهبوط القيمة الشرائية للعملة بضوابطه أسسه وشرائطه وأطره المذكورة والذي هو جبر ضرر المضرور عما سبب له من خسارة وما فاته من كسب يختلف تمام الاختلاف عن الربا المحرم بنص القرآن والسنة والذي هو عبارة عن زيادة غير شرعية على رأس وأصل المال يأخذها الدائن من المدين لقاء تأجيل السداد لأجل معلوم فيفي هذه الدعوى التي بين أيدينا قد ثبت أن طالب المراجعة أدى 10% من قيمة العمل للمراجع ضدها وقامت المحكمة الجزئية بخصم ذلك لصالح طالب المراجعة فكان قد تبقى في ذمة طالب المراجعة مما دفعته له المراجع ضدها هو 83200 ج وحسبت المحكمة الجزئية قيمة هذا المبلغ ووجدته نحواً من 44 مليون في تاريخ الحكم وكانت المراجع ضدها قد دفعت لطالب المراجعة المبلغ في عام 1981م ونظرت الحكمة إلى قيمته في عام 1995 تاريخ الحكم بعد مخاطبة بنك السودان مستأنسة في ذلك بقيمة الدولار فليس في ذلك ما يبرر القول بأنه يفسر الربا لمجرد الاستئناس بقيمة الدولار
فلا تثريب في ذلك شرعاً وقانوناً
2- مخالفة القوانين-سواء كانت إجرائية أو موضوعية- المقتبسة من إشراقات روح القرآن والمستمدة والمستوحاة من السنة ومن أفعال وأقوال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتي تم تشريعها بناء على آراء فقهاء الإسلام الذين صاغوها في فقه إسلامي رائع ومثال هذه القوانين هي التي نقوم نحن القضاة اليوم بتطبيقها في ظل توجهنا الإسلامي الذي نستظل بظله
فالقانون-كما هو معلوم-يقوم بتشريعه ولي الأمر (المشرع) بناء على رأي بعض الفقهاء وهو يجب أن يكون-بالضرورة موافقاً للشريعة الإسلامية وإن كان خالفاً لرأي جمهور الفقهاء طالما أنه لم يعد مخالفاً لنص صريح في القرآن والسنة وما اجتمعت عليه الأمة
إن القانون الذي يصوغه مشرعنا المسلم والوانين التي أقرها ولم ينكرها ولم يعمل على تعديلها ولم يجبها بقوانين أخرى بل سكت عنها ووافق عليها من القوانين التي كانت سارية قبل تطبيق الشريعة الإسلامية في البلاد يجب أن تستصحب محاكمنا أن مشرعنا المسلم لا يقصد بصياغتها أو بالسكوت عليها مخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية ولا يجوز ولا ينبغي لمشرعنا ذلك طالما أنه لن ولم يغفل عن واجبه في تأصيل ومراجعة وتعديل وصياغة جميع القوانين بما يتفق ويواكب أحكام الشريعة الإسلامية من وقت لآخر ولن يغفل مشرعنا المسلم عن أداء واجبه في الرجوع بقوانينا إلي جذور وأصول هذه الأمة السودانية المسلمة بما يتفق وعاداتها وتقاليدها وأعرافها ومن ثم يجب على محاكمنا تطبيق تلك القوانين عملاً بنص المادة 2(1) من قانون أصول لأحكام واعتبار أن الأحكام القضائية التي تصدر مخالفة لهذه القوانين تكون تلقائياً مخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية مخالفة صريحة ومباشرة
فالحكم الذي بين أيدينا والذي أصدرته المحكمة العليا والمطلوب مراجعته قد تأسس على معنى قانون المعاملات المدنية وهو قانون يجب أن تستصحب محاكمنا أن مشرعنا عندما قام بتشريعه لم يقصد مطلقاً مخالفة أحكام الشريعة الإسلامية والسؤال-إذن-الذي يطرح ويفرض نفسه ويثور في هذا المقام هو ما إذا كان الحكم الذي بين أيدينا والمطلوب مراجعته قد ورد-كما ارتأى محامي طالب المراجعة-مخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية بسبب مخالفته الصريحة لقانون المعاملات المدنية لسنة 1984م؟؟
إن الإجابة على هذا السؤال تجئ في تقديرنا وقناعتنا بالنفي يرى محامي طالب المراجعة أن التعويض بحساب الدولار بتاريخ صدور الحكم فيه مخالفة واضحة المادة 82 من قانون المعاملات المدنية 1984م التي تنص كالآتي:
"إذا كان محل الالتزام دفع مبلغ من النقود التزم المدين بقدر عددها المذكور في العقد دون أن يكون لارتفاع قيمة هذه النقود أو لانخفاضها وقت الوفاء أي أثر)
صحيح أن هذه المادة تنسحب في حالة عدم فسخ العقد ولكن في حالة فسخ العقد كالعقد الذي بين أيدينا تحكمه المادة 128 (1) من ذات القانون والتي تنص كالآتي:
" في العقود الملزمة للجانبين إذا لم يوفق أحد المتعاقدين بالتزامه جاز للمتعاقد الآخر بعد أعذاره المدين أن يطالب بتنفيذ العقد أو بفسخه مع التعويض في الحالتين إن كلن له مقتضى"
وبما أن العقد الذي بين أيدينا قد تم فسخه فكان لا بد من إعادة الطرفين إلى الحالة التي كانا عليها قبل انعقاد العقد إعمالاً لنص المادة 131 من ذات القانون وبالتالي كان لا بد أن يرجع طالب المراجعة المبلغ الذي دفعته له المراجع ضدها بعد خصم نسبة 10% من العمل الذي أنجزه ولكن السؤال المطروح هل يرجع طالب المراجعة إلى المراجع ضدها مبلغ 83200 ج قيمته في عام 1981م تاريخ الاستلام أو يجب تقييم ذلك المبلغ ليكون مواكباً لقيمته في تاريخ الحكم في عام 1995م أي يجب حساب ذلك المبلغ بالفرق في سعر الدولار بين تاريخ الاستلام وتاريخ إصدار بالحكم؟؟
فمبلغ الـ 82200ج في عام 1981م تاريخ الاستلام لا يساوى المبلغ نفسه في سنة 1995م تاريخ الحكم بسبب الانخفاض في قيمة النقود وعلى طالب المراجعة أن يتحمل فرق انخفاض النقود ابتداء من تاريخ نشوء الحق أي الاستلام في عام 1981م ومروراً بتاريخ إقامة الدعوى في عام 1984م وانتهاء بالحكم الذي أصدرته المحكمة الجزئية في عام 1995م ذلك لأن طالب المراجعة كان هو السبب المباشر في إثارة هذا النزاع وإذا صدر الحكم بنفس المبلغ المستلم في عام 1981 فإن في ذلك ظلماً واضحاً على المراجع ضدها لأن هذا المبلغ سوف لا يعود عليهما اليوم بالفائدة المرجوة في ظل انخفاض قيمة النقود والمطلوب هو العدل وإزالة الأضرار الناتجة عن إجراءات استرداد الحقوق والمظالم حسب نص المادة 6 من قانون المعاملات المدنية سنة 1984 التي تنص على القواعد الأساسية لإصدار الأحكام كالآتي:
(أ) رد الحقوق إلى أهلها ودفع المظالم
(ب) إزالة الأضرار الناتجة عن إجراءات استرداد الحقوق والمظالم
وبما أننا قضاة نصوص وعدالة معاً وأن مبادئ العدالة والوجدان السليم ولا ضرر ولا ضرار لا تقبل أن يقضى للمراجع ضدها بمبلغ 83200 ج فقط فإن حكم المحكمة العليا الذي بين أيدينا والمطلوب مراجعته المؤيد لحكم المحكمة الجزئية القاضي بقيمة ذلك المبلغ بتاريخ الحكم بعد الاستئناس بسعر الدولار ليس فيه مخالفة لنص المادة 82 من قانون المعاملات المدنية لسنة 1984 م بل جاء مطبقاً تطبيقاً سليماً لنص المادتين 182 (1) و 131 من ذات القانون ومن ثم لا نرى مبرراً لمراجعته في هذا المعنى لمخالفة أحكام الشريعة الإسلامية
3- الظلم أو الحيف الذي يشوب ويحيط بالحكم:
إذا كان الحكم الذي تصدره المحكمة العليا عند نظر طلب الطعن بالنقض قد جاء غير عادل وغير منصف وظالماً ومجحفاً وجائراً فيجب اعتباره منطوياً على مخالفة صريحة ومباشرة لأحكام الشريعة الإسلامية الغراء ذلك لأن الشريعة الإسلامية تقف على خط مستقيم ضد الظلم والجور والحيف وتأبى السكوت عليه وأنها تنادي على الدوام ببسط العدالة بين كافة الناس دون تمييز لعرق أو دين أو لون أو جنس أو عقيدة أو قبيلة- وعليه فيظل تلك الظروف يتعين على المحكمة العليا مراجعة حكمها وتصحيحه لأن الرجوع إلي الحق من التمادي في الباطل ولأن الحق قديم وثابت لا يمكن ولا يجوز الانحراف والتخلف عنه والأصل في مراجعة المحاكم لأحكامها في هذه الحالة نجده في رسالة أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه إلى أبي موسى الأشعري عندما ولاه قاضياً على اليمن فيما يلي:
"لا يمكنك قضاء قضيت فيه اليوم فراجعت فيه نفسك واهتديت لرشدك أن تراجع الحق فإن الحق قديم ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل)
فباستقراء حكم المحكمة العليا الذي بين أيدينا والمطلوب مراجعته في تأن وتثبت لا نرنا نجد فيه ظلماً واضحاً قد حق وأحاط بطالب المراجعة وذلك لتسيب المنطقي والموضوعي الذي تميز به ولموافقته للثابت في الأوراق إن جملة المبلغ المتبقي في ذمة طالب المراجعة إلى المراجع ضدها هو 82300 ج (ثلاثة وثمانين ألف جنيه) وقد ارتفع إلى أربعة وأربعين مليوناً من الجنيهات بسبب انخفاض العملة في تاريخ الاستلام في عام 1981 إلى عام 1995م تاريخ الحكم ولما كانت مطالبة المراجع ضدها بمبلغ عشرين مليوناً فقد حكم لها بذلك المبلغ فقط وترك ما زاد ولم يحكم لها بباقي الطالبات وهي قيمة العمل الذي نفذ بوساطة المقاول الآخر وجملة قيمة العقد وجملة المبلغ الذي فقدته المراجع ضدها نتيجة لتوقف العمل ومرتبات عمال المطبعة خلال فترة التوقف مما يثبت أن الحكم المطلوب مراجعته قد جاء عادلاً ولم يحكم للمراجع ضدها بمبلغ أكثر مما طلبت
هذا بالإضافة إلى أن التعويض الذي حكم به إلى المراجع ضدها قد توافرت فيه الضوابط والشرائط والأسس والأطر التي ابناها في جوف هذا الحكم بما جعله تعويضاً عادلاً ومناسباً ومعقولاً لا شطط فيه في ظل ظروف انخفاض العملة مما سبب للمراجع ضدها من خسارة وما فاتها من كسب نتيجة لتقاعس طالب المراجعة عن تنفيذ العقد في الميعاد المتفق عليه
عليه ليس هنالك ما يبرر مراجعة حكم المحكمة العليا في هذا المعنى لمخالفة أحكام الشريعة الإسلامية
لذا ولما نقدم من أسباب مجتمعة وحيث أنه ليس هنالك من المبررات ما يدعو هذه المحكمة العليا (دائرة المراجعة) لأن تقوم بمراجعة حكمها المذكورة فلا مناص من شطب هذا الطلب إيجازياً برسومه
القاضي: حسين عوض أبو القاسم
التاريخ: 5/6/1997م
أوافق
القاضي: إمام البدوي على
التاريخ: 7/6/1997م
أوافق
القاضي: عبد الجليل آدم حسين
التاريخ: 20/6/1997م
أوافق
أوافق أخي صاحب الرأي الأول فيما ذهب إليه وأضيف أن الذهب والفضة هما الميزان في الشريعة الإسلامية في تقويم المبيعات فتكون النقود من الذهب والفضة هي الأثمان الخلقية وقد يحتاج الناس إلى إحداث أثمان من غير هذين المعدنين تيسراً للتعامل بين الناس كما هو في ضرب القيراط قديماً بين الناس وهو ما أطلق عليه لفظ الفلوس فإذا كانت مقبولة في التعامل سميت فلوساً رائجة وإذا كانت غير ذلك فهي الكلسوة ولكن من النقدين والفلوس الرائجة والكلسوة أحكام يهمنا في وضعنا هذا أن العملة الورقية التي صارت الآن هي السائدة فكان الذهب والفضة بعد أن صارت مضمونة القيمة من قبل الدولة وليست قابلة للتحويل بقيمتها ذهباً كما كانت في السابق
هذا وقد عرفت الفلوس الرائجة أنها: هي كل ما ضرب من غير الذهب والفضة واصطلح الناس على عدة ثمناً للأشياء وراح بينهم وجرى به تعاملهم القيراط في القديم والقرش والهللة والفلس في الحديث هذا قد فرق الفقهاء في الحكم بين النقدين-الذهب والفضة-والفلوس الرائجة فقال الأستاذ محمد سلامة جبر: في الفلوس الرائجة وقد اتفق الفقهاء على كونهما أثماناً اصطلاحية بحيث لو بطل التعامل بها تعود سلعاً كما كانت كسائر السلع وتفقد خصائص الثمينة بخلاف النقدين فإنهما كذلك خلقة يعني خلقها الله وجعلهما أثماناً للأشياء فلا يملك الإنسان أن يبطل ثمنية ما أقامه الله ثمناً ولا أن يلغي حاكما نصبه الله قاضياً بيننا أجد أحكام النقود في الشريعة الإسلامية
ص 18 والواضح أن العملة الورقية لا يمكنها أن تبلغ مرتبة الذهب والفضة في كونهما جنس الأثمان وقيم الأشياء في كل الأزمان وإنما ينطبق عليها أحكام الفلوس الرائجة وفي هذه الحالة فإنه عندما بطل العقد لابد من الرجوع إلى قيمة ما دفع من العملة الورقية في ذلك الوقت وهو الأمر الذي توصلت إليه محكمة الموضوع وكان يمكنها الحكم به لولا أن الطالب حدد مطالبته بالأقل من قيمة العملة الورقية وقد أصبحت سلعة قدرتها بما يساوي مبلغ 40 مليون جينه فلذلك أرى شطب الطلب
القاضي سنية الرشيد ميرغني
التاريخ 12/11/1997م
جوهر الطلب كما ذكر الزملاء نقطتان هما:
1- مخالفة الحكم بالتعويض تأسيساً على انخفاض قيمة النقود مما يعتبر شكلاً من أشكال الربا المستحدث
2- مخالفة الحكم لأحكام المادة 82 (وليس 83 كما ورد في الطلب) من قانون المعاملات المدنية 1984م
وما يثيره طلب المراجعة هذا قضية تعتبر من أبرز المشكلات الاقتصادية المعاصرة التي تمس الفرد والجماعة وهي تتعلق بمشكلة التضخم وما رافقه من تأثير على القوة الشرائية للنقد حيث تضعف هذه النقود وتقل مما يؤدي إلى رخصها تجاه السلع والمنافع والخدمات
وعلى نطاق الفرد فكثيراً ما يفرض المرء مالاً لغيره إلى أجل محدد أو يقوم بعمل لغيره نظير مبلغ محدد فإذا ما حل أجل الوفاء وجد الدائن أن المبلغ الذي عاد إليه أقل أو أكثر
وقد برزت هذه القضية منذ بداية الثلاثينيات من هذا القرن حين تخلى العالم عن نظام الذهب وتبنى بديلاً عنه نظام الأوراق النقدية غير القابلة للتحويل ومنذ ذلك التاريخ انتابت النظام العالمي مشكلات متعددة على رأسها مشكلة التغيرات في قيمة النقود وهي اليوم أحد الهموم الاقتصادية العالمية والفقهية أيضاً لما لها من تأثير على قطاعات المجتمع المختلفة كما أن بيان الحكم الشرعي في معالجة الآثار المترتبة على التغيرات في قيمة النقود يعتبر من القضايا التي تعددت فيها الآراء والاجتهادات وهي من المسائل التي اضطرب فيها المتقدمون والمتأخرون (راجع مؤلف الدكتور موسى آدم عيسى –آثار التغيرات في قيمة النقود وكيفية معالجتها في الاقتصاد الإسلامي)
ومما يؤكد اضطراب الآراء أن هذا الموضوع قد طرح على مجمع الفقه الإسلامي وتباينت الآراء فيه واخضع لمزيد من البحث في دورة انعقاده الثالثة والخامسة ويدل على ذلك أيضاً اختلاف فقهاء المسلمين فيما يجب على المدين أداوه سداداً لما يترتب في ذمته من نقود تغيرت قيمتها حين إقراضها ويعبر الفقهاء عما يحدث لقيمة هذه النقود من تغيرات بغلاء ورخص النقد وهم يرمزون بذلك على ارتفاع أو انخفاض قيمة النقد الاصطلاحي بالنسبة للذهب والفضة أما الآن إذا اعتبرنا أن الذهب والفضة سلعاً من ضمن مجموعة السلع كما هو الحال في العصر الحاضر يمكننا الاسترشاد بآراء الفقهاء في مسألة غلاء ورخص النقد لبيان الأحكام الشرعية المتعلقة بارتفاع أو انخفاض قيمة النقود المعاصرة أنظر المرجع المشار إليه ص 377 وما بعدها)
وجزأ أراء الفقهاء في الآتي:
1-يرى أبو حنيفة والمالكية في المشهور عندهم والشافعية والحنابلة أن الواجب على المدين دفعه هو نفس النقد المحدد في العقد والثابت ديناً في الذمة دون زيادة أو نقصان
ويقوم هذا القول على أن النقود الاصطلاحية نوع من أنواع المثليات والمثلى هو ما لا تتفاوت أحاده تفاوتاً يعتد به ويتوفر في الأسواق لذلك فإن ما يحدث لقيمتها من تغير لا يعتبر عيباً يستوجب رد القيمة لذلك يرى مؤيدو هذا الديون تقضي بأمثالها فلا يجوز ربطها أياً كان مصدرها بمستوى الأسعار بحيث تراعي قيمة العملة في حالة تفسيرها وقد أخذ علماء مجمع الفقه الإسلامي بهذا الرأي (أنظر مجلة الفقه الإسلامي الدورة الخامسة الجزء الثالث-صفحة 2249)
2-أما القول الثاني لأبي يوسف وعليه الفتوى عند الحنفية هو أيضاً رأي شيخ الإسلام قضى الدين ابن قيميهوهو أنه يجب على المدين أن يؤدي قيمة النقد الذي طرأ عليه الغلاء أو الرخص يوم ثبوته في الذمة من قد رائج
وعلل الدكتور موسى آدم في المرجع المشار إليه آثار التغيرات في قيمة النقود- ص 389هذا الرأي بأنه يستند إلى أن المثلية في النقود الاصطلاحية قد تختلف فيما إذا كسدت أو تغيرت قيمتها وهذا لا ينطبق مع مثيلة غيرها من النقود
ثانياً: أن النقود الاصطلاحية تتمثل قيمتها الحقيقية في مقدرتها على المبادلة بالسلع والخدمات وهذه المثلية صفة حادثة عليها تستمدها من تواضع الناس عليها وفرض السلطة وليس من مادتها المصنوعة منها ويترتب على ذلك أن ما يثبت في ذمة المدين ويكون ضامناً له القيمة وليس الشكل المادي أو القيمة الاسمية
ويستدل آخرون في هذا الرأي بأن المالين يتماثلان إذا استوت قيمتها وأما مع اختلاف القيمة فلا تماثل
أما الرأي الثالث فهو وجه عند المالكية وهو أن التغيير إذا كان فاحشاً فيجب أداء قيمة النقد الذي طرأ عليه الغلاء أو الرخص أما إذا لم يكن فاحشاً فالمثل ولا خلاف جوهري بين هذا الرأي والرأي الثاني وإنما يؤخذ عليه عدم تحديد نسبة تغيرات قيمة النقود التي تعتبر فاحشة أم يسيرة وما هو الأساس؟
وقد اخذ مؤلف المرجع المذكور وبعض علماء المسلمين في (مجمع الفقه الإسلامي) برأي أبي يوسف باعتباره أقرب للعدالة والإنصاف ولأنه يرفع الضرر من الدائن والمدين
وعليه وبما أن الحكم موضوع المراجعة قد استند إلى هذا الرأي فإنه لا يكون مخالفاً للشريعة الإسلامية إذ لا يوجد نص قطعي الدلالة من القرآن أو السنة يحكم موضوع آثار تفسير قيمة العملة وكيفية معالجتها
أ/ا فيما يتعلق بما يثيره الطلب حول مخالفة الحكم موضوع المراجعة للمادة 82 من قانون المعاملات المدنية أقول صحيح أن المسلك القانوني الذي يتمثل في نص هذه المادة قد جاء معبراً عن أحد الآراء الفقهية المذكورة أعلاه وهو رأي الجمهور وهو يكون مخالفاً للشريعة الإسلامية أعلاه وهو رأي الجهور وهو يكون محل الالتزام بمبلغ من النقود وفي تقديري أن هذه المادة لا تنطبق على وقائع هذا النزاع ذلك إن التزام المدين كان بتنفيذ أعمال الكهرباء بورشة الدائن وكان المبلغ في ذمته مقابلاً للعمل المذكور وليس ديناً ولوكانت مقدمة الطلب قد أوفت بالتزامها وهو تنفيذ هذا العمل ولم توف المدعية بسداد قيمته لا تطبق هذا النص
لكل هذه الأسباب اتفق مع آراء الزملاء في شطب الطلب إيجازياً

