حكومة السودان ضد خالد موسي السماني
القضاة :
السيد/ بابكر زين العابدين قاضى المحكمة العليا رئيساً
السيد/ أحمد محمد عثمان قاضي قاضى المحكمة العليا عضواً
السيد/ محمد عبد الرحيم قاضى المحكمة العليا عضواً
حكومة السودان ضد خالد موسي السماني
م ع/ف ج/ 126/1989م
المبادئ:
*إجراءات جنائية : محاكمة الأحداث تختص المحكمة الكبرى بمحاكمتهم – المادة 17 إجراءات جنائية مقروءة مع المواد 64 و 67 عقوبات
*بما أنه يجوز للمحكمة الكبرى أن تصدر أي عقوبة يخولها القانون وبما أن أمر الحجز بالإصلاحية عقوبة من العقوبات التي خولها القانون بالنسبة للأحداث فبالتالي ينعقد لها الاختصاص بمحاكمتهم
الحكــــم
القاضي: محمد عبد الرحيم على
التاريخ : 20/8/1989م
هذا طعن فحص تقدم به والد القتيل أبو القاسم عثمان جفون يطلب فيه فحص قضاء محكمة استئناف الخرطوم أ س م ك/ 152 / 1988م الصادر بتاريخ 14/12/1988م والذي قضى بتعديل الإدانة من المادة 251 للمادة 253 من قانون العقوبات وأنزل عقوبة الدية البالغة عشرون ألفاً من الجنيهات تدفع لأولياء الدم وإلغاء عقوبة الحجز بالإصلاحية لمدة خمس سنوات والتي وقعتها المحكمة الكبرى التي انعقدت بجنايات أم درمان الجديدة برئاسة القاضي الأمين عوض على
تتلخص الوقائع باختصار في أن المحكوم عليه والقتيل كانا يقفان ضمن آخرين في صف أمام مخبز هيكل بالحارة 14 من مدينة أم درمان الجديدة بغرض شراء الخبز وذلك في حوالي الساعة السادسة صباحاً من صباح يوم 18/8/1988م ونتيجة للزحمة وتدافع المصطفين وقع نزاع بين القتيل والمحكوم عليه وتلقفا الضربات فأصاب المحكوم عليه القتيل بركلة من رجله سقط على إثرها القتيل مخشياً عليه وتوفي في الطريق إلى المستشفى المحكوم عليه من مواليد 2/5/1975م بمقتضى شهادة الميلاد رقم 89149 المستخرجة من مكتب تسجيل المواليد بمصلحة الإحصاء بتاريخ 2/1/1977م وعليه بلغ سنه في تاريخ الحادث ثلاثة عشر عاماً ونصف
لقد سبق وأن تقدم الأستاذ جلال السيد باستئناف طاعناً في حكم المحكمة الكبرى على النحو المثبوت بمذكرته فكانت النتيجة حكم محكمة الاستئناف المشار إليه أعلاه والمطلوب فحصه أمامنا
واضح من شهادة الميلاد المودعة وهي من المستندات الرسمية طبقاً للتعريف الوارد بالمادة 41 من قانون الإثبات لسنة 1983م ولها حجيتها بمقتضى المادة 42 من ذات القانون أن المحكوم عليه ممن تنطبق عليهم أحكام المادة 67 من قانون العقوبات والذين يخضعون لعقوبات خاصة غرضها التهذيب والتربية وهي بذلك تخرج عن العقوبات العامة العادية المنصوص عليها في المادة 64 من قانون العقوبات
هذا من حيث الموضوع وأما من حيث الشكل "الإجراءات" فقد نصت المادة 15 من قانون الإجراءات الجنائية على الآتي :
"15 – مع مراعاة أحكام قانون العقوبات لا يحاكم الحدث غير البالغ إلا أمام محكمة القاضي الجزئي وبغرض الإصلاح والتهذيب"
كما جوزت المادة 16 لرئيس المحكمة العليا حق تشكيل محاكم خاصة لمحاكمة الجناة من الأحداث غير البالغين وأن يحدد الإجراءات التي تتبعها تلك المحاكم
هذا النصان نص المادتين 15 و 16 الغرض منهما أن تكون محاكمة الأحداث على نمط يختلف كل الاختلاف عن المحاكمات العادية التي تتم بإجراءات ضبط معينة وبتحديد تهم ثم الرد عليها والإدانة ثم العقوبة وكل ذلك بغرض إضفاء جو يتماشى مع سن الحدث وتفكيره ثم الوصول لعلاج الحدث بتوقيع العقوبة الخاصة بقصد التربية والتهذيب وليس الردع
وعليه فإن إخضاع الحدث للمحاكمات العادية وخاصة المحكمة الكبرى يشكل مخالفة للنصوص القانونية الصريحة ويعتبر مثوله ابتداء باطلاً يجعل كل الإجراءات مشوبة بالبطلان
ما ذهبت إليه محكمة الاستئناف عن المادة 17 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1983م تعديل 1986م تتعلق بسلطة المحكمة في توقيع العقوبة في ما يدخل في اختصاصها ابتداء وليس حيال ما هو خارج عن اختصاصها بمقتضى المادة 15 من قانون الإجراءات الجنائية مقروءة مع المادة 67 من قانون العقوبات
إن عقوبة الدية التي رأت توقيعها محكمة الاستئناف لهى من العقوبات الواردة بالمادة 64 من قانون العقوبات وهي عقوبة عادية ولا تتسق بأي حال من الأحوال مع العقوبة الخاصة التي أقرها المشرع للأحداث في المادة 67 من قانون العقوباتبالإطلاع على مستند الاتهام رقم (1) الأورنيك الجنائي رقم (8) اتضح لى أنه يوجد أثر أذى أو اعتداء ظاهر وأن سبب الوفاة هبوط في الدورة الدموية نتيجة لصدمة عصبية وجاء في مستند الاتهام (2) تقرير التشريح ما يلى :
"الصدمة العصبية الفجائية نتج من أثاره العصب الحائر (وهو العصب الخامس الذي يخرج من المخ ويغذي عصبياً أجهزة حساسة أهمها القلب) وعن إثارته الفجائية يضطرب عمل القلب وبالتالي يحدث الهبوط في عمل الدورة الدموية مما يؤدي إلى الوفاةوالإثارة تحدث مثلاً عند الضرب على أماكن حساسة مثل العنق وأعلى البطن والخصيتين"
أرى أن هنالك فجوة كبيرة تتطلب التدقيق والتمحيص وهي الفجوة الناتجة عن اختفاء أثر أذى أو اعتداء ظاهر وسبب الوفاة وربط السبب بما أتاه المتهم من ركن مادي يتعين ثبوته على وجه قاطع مع تحديد وقوع هذا الركن المادي (الفعل) في الموضع المحدد من جسم القتيل لابد من استجواب الطبيب الذي قام بالكشف الابتدائي والذي أعد تقرير التشريح للوصول للسبب الحقيقي للوفاة ومن ثم البحث في الرابطة بين الوفاة وما أتاه المتهم من فعل وعليه وللأسباب أعلاه أري أن نلغى الإدانة والعقوبة وإعادة الأوراق لإعادة المحاكمة على ضوء هذه المذكرة
القاضي : أحمد محمد عثمان قاضي
التاريخ: 26/8/1989م
بداية وفيما يتعلق بالاختصاص ومع احترامي وتقديري لزميلي الأخ محمد لا أشاركه الرأي فيما أشار في مذكرة رأيه بعد انعقاد الاختصاص للمحكمة الكبرى لمحاكمة الحدث المذكور أعلاه
المادة 64 من قانون العقوبات لسنة 1983م حددت العقوبات التي تحكم بها المحاكم وجاء من ضمنها في الفقرة الأخيرة (ل) عقوبة الحجز بالإصلاحية وجاء في المادة 67 من نفس القانون أن الشخص الذي لم يبلغ الحلم إذا تكرر جنوحه أو تشرده أو خطره على المجتمع جاز للمحكمة أن تأمر بحجزه في إصلاحية أو مؤسسة أخرى يعينها رئيس المحكمة لهذا الغرض وذلك لمدة لا تقل عن سنتين ولا تزيد عن خمس سنوات بقصد تهذيبه وتربيته
فالمادة الأولي أشارت بوضوح بأن الحجز بالإصلاحية هي إحدى العقوبات التي يمكن توقيعها المحاكم والمادة الأخيرة (67) بينت أن تلك العقوبة توقع على الشخص الذي لم يبلغ الحلم أي الحدث ثم بينت مدة الحجز تلك وبينت في ذيلها بأن إرسال ذلك الشخص (الحدث) إلى الإصلاحية يكون بغرض التهذيب والتربية
وفي قانون الإجراءات الجنائية (تعديل) لسنة 1406هـ وفي الفصل السادس منه والمتعلق بسلطة المحاكم الجنائية نجد أن المحكمة الكبرى وفق المادة 17 من ذلك القانون يمكنها أن توقع أي عقوبة يخولها القانون
"يجوز للمحكمة الكبرى أن تصدر أي عقوبة يخولها القانون "وطالما بينا أن أمر الحجز بالإصلاحية عقوبة من العقوبات التي خولها القانون ولكنها توقع على الحدث للغرض الذي أشرنا إليه فإننا نصل إلى النتيجة التي مؤداها أن المحكمة الكبرى مختصة بتوقيع مثل تلك العقوبة – ولما كان الأمر كذلك فهي مختصة بالمحاكمة موضوع هذا الفحص أما المادة 15 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1983م والتي جاء نصها كالآتي :
"مع مراعاة أحكام قانون العقوبات لا يحاكم الحدث غير البالغ إلا أمام محكمة القاضي الجزئي وبغرض الإصلاح والتهذيب"
هذه المادة لا أراها تحجب من المحكمة الكبرى اختصاصاتها في هذا الشأن بداية وحسب التعديل الذي أجرى في 1406هـ لقانون الإجراءات الجنائية وحسب المادة 8 منه فإن المحاكم الجنائية في السودان أصبح تكوينها على الوجه الآتي :
(أ) المحاكم الكبرى
(ب) محاكم قضاة الدرجة الأولي
(ج) محاكم قضاة الدرجة الثانية
(د) محاكم قضاة الدرجة الثالثة
(هـ) محاكم المدن والأرياف
(و) أي محاكم أخرى ينشئها رئيس القضاء بموجب أحكام قانون السلطات القضائية لسنة 1406هـ ويحدد اختصاصها فليس من بين هذا التشكيل ما يسمى بالمحكمة الجزئية بعد هذا التعديل
وحيال السلطات بإرسال الحدث للإصلاحية فإنها حسب التعديل الوارد فإنها أصبحت منعقدة لكل من قاضي الدرجة الأولي والثانية (أنظر المادتين 18 (أ) و18 أ (1) من قانون الإجراءات الجنائية (تعديل) لسنة 1406هـ وحسبما هو سائد قانوناً بأن ليس هناك ما يمنع المحكمة الكبرى من إجراء أي محاكمة كانت من اختصاص الدرجة الأولي أو دونها – فهي مختصة بإصدار أي عقوبة يخولها القانون – من جانب آخر حتى إذا تجاوزنا عما شاب المادة 15 والتي لم يشملها أي تعديل واعتبرنا افتراضاً أن القاضي الجزئي يعنى قاضى الدرجة الأولي والثانية معاً فإن عبارة لا يحاكم الحدث غير البالغ إلا أمام محكمة القاضي الجزئي قد تحجب اختصاص المحاكم الأخرى الأدني مثل مجالس القضاة ولكنها لا تحجب الاختصاص عن المحكمة الأعلي منها درجة وهي المحكمة الكبرى
والمادة 16 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1983م لا علاقة لها بموضوع حجب الاختصاص لأنه لم يتم بعد تشكيل محاكم خاصة لمحاكم الجناة من الأحداث غير البالغين أو إجراءات تلك المحاكم
لكل هذا أرى أن هناك شائبة لصقت بالاختصاص في الموضوع المطروح ناحية الموضوع أشارك زميلي محمد الرأي بأن لابد من إلغاء الإدانة والعقوبة الصادرتين من المحكمة الكبرى وإعادة الأوراق للمحكمة الكبرى لتستمع بدقة إلي بينات الطبيب حول علاقة السببية – فلا بد من التقرير حول العلاقة بين ما أتي المتهم من فعل وما نتج عن وفاة – فلابد أن يتم التقرير القاطع عما إذا كانت الركلة سبباً مباشراً في الوفاة حتى يكون المتهم مسئولاً عن الفعل فلكى يكون الحدث عرضة لتوقيع ما يمكن أن يهذبه أو يصلح من حاله أو يريبه لابد من ثبوت مسئوليته عن ما نجم من فعله – المسئولية هنا لا اعنى بها المسئولية الجنائية عن فعله ولكن المسئولية التي تترتب عليها إجراءات تأديبية وإصلاحية
لهذا أوافق على إلغاء ما صدر من إدانة وحكم على أن تعاد الأوراق للمحكمة الكبرىلتعمل وفق ما ذكرت
القاضى : بابكر زين العابدين
التاريخ: 22/8/1989م
فعلى الرغم من قناعتى التامة بأن الحدث موضوع الإجراءات غير مسئول لا من الناحية الجنائية ولا من الناحية التربوية أو التهذيبية ولا من الناحية المالية عن الفعل الذي نسب إليه في هذه الإجراءات وذلك لأنه لم يبلغ – لا بالعلاقات الطبيعية ولا بسنين العمر – من المسئولية الجنائية ولأنه لم تتوفر البينة على أنه قد كرر الجنوح أو الخطر على المجتمع حيث أن نص المادة 67 من قانون العقوبات لسنة 1983م يشترط لتطبيقه تكرار الجنوح أو التشرد أو الخطر على المجتمع ولا يأخذ بالواقعة الواحدة المعزولة ولأن القانون لا ينص على مسئولية مالية مما يتعين معه علينا إلغاء الإدانة والعقوبة وإخلاء سبيله نهائيا ومما يغنى عن البحث في توفر وعدم توفر علاقة السببية بين الفعل والنتيجة وتوفر وعدم توفر عنصر الجريمة المعنوي ووجود وعدم وجود حق الدفاع الشرعي أو الاستفزاز الشديد المفاجئ أو العراك الشديد المفاجئ إلا أننى وكمخرج من الحالة التي وجدنا أنفسنا فيها عندما اختلف ثلاثتنا في النتيجة النهائية مع اتفاق السيدين أحمد محمد عثمان قاضي ومحمد عبد الرحيم على إعادة البحث في علاقة السببية بين الفعل والنتيجة ولكن اختلفنا حول الاختصاص ومع اتفاقي مع السيد قاضي حول الاختصاص للأسباب التي ذكرها ولاعتقادي بأن الغرض أو القصد من نص المادة 15 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1983م هو توفر الضمانات الكافية للحدث التي سوف تتوفر له أكثر أمام محكمة أعلى من محكمة القاضي الجزئي ولأن استئناف المحاكمة لا يشكل ضرر يذكر على الحدث فإننى أتنازل في الوقت الراهن عن رأيي السابق الذي كنت قد أيدته كرأي ثاني وأوافق على رأي السيد قاضى

